قطاع عام وخاص: اتفاق على حوكمة منظومة التكوين المهني حسب حاجيات السوق
يعتبر التكوين المهني رافعة اقتصادية مهمة في سياسات الدول وأصبح أولوية منها مثلا دولة كندا التي تعتبره ركيزة أساسية لسد الفجوة في المهارات، ودعم سوق العمل، وتحقيق الاندماج الاجتماعي لتضع عدة برامج لجودة التكوين المهني، والتي يسمح لحاملي الشهادات المهنية بالعمل والتنقل بحرية بين جميع المقاطعات الكندية إضافة إلى برامج دعم الهجرة الاقتصادية الذي تستخدم فيه كندا التكوين المهني كأداة رئيسية لجذب المهاجرين المؤهلين.
ويعتبر التكوين المهني (Ausbildung) حجر زاوية في السياسة الاقتصادية والاجتماعية الألمانية، حيث يدمج بين التعليم النظري والتدريب العملي (النظام المزدوج) لتأهيل عمالة ماهرة، تقليل البطالة، وسد النقص في الكفاءات يحصل المتدربون على رواتب شهرية، وتضمن الدولة من خلاله شهادات معترف بها عالمياً، مما يجعله محركاً رئيسياً للنمو الاقتصادي.
ونظرا للمتغيرات الاقتصادية العالمية والاحتياجات الجديدة لأسواق الشغل يطرح ملف التكوين المهني كحل وآلية تنافسية بين الدول تقوم على جودة التكوين والاختصاصات المطلوبة كأسس لهذه التنافسية في حين هي لبعض الدول ومن بينها تونس هي مع هذا تعتبر حلا لإيقاف الهجرة غير النظامية والتقليص من البطالة بتغيير العقليات نحو التوجه الكلاسيكي للشهائد العليا في اختصاصات تحقق فيها تونس فائضا ولم تعد الوظيفة العمومية قادرة على استيعاب خريجيها ..
من مقترحات منظمات أعراف تطوير المنظومة برقمنة وتنويع اختصاصاتها الذكية
ويعتبر التكوين المهني ملفا محوريا بالنسبة لكنفدرالية مؤسسات المواطنة "كونكت "التي اعتبرت في بلاغ سابقا انه وقع تهميش قطاع التكوين المهني ودور مؤسساته ونشاطاته وكانت من بين طلباتها فتح ملفّات تمويل التكوين في القطاع الخاص وتخفيف العبء المادي على العائلات والمتكونين بما يعزز من قدرة هياكل التكوين على تقديم خدمات أنجع وخاصة في ظل توفر قوانين واليات التكوين الاساسي (صك التكوين وتفعيل قانون 10 لسنة 2008 في باب التكوين عن بعد و الباكالوريا المهنية و اعتماد الرقمنة في التعاطي مع ملفات التكوين والمتكونين وفي المعاملات بين الهياكل الخاصّة والإدارة.
ومن جانبها اقترحت منظمة الأعراف UTICA لتطوير منظومة التكوين المهني وجعله أكثر ملائمة لحاجيات المؤسسات الاقتصادية إطلاق منظومة جديدة (SIGAF) لرقمنة إجراءات إحداث وتسيير مؤسسات التكوين المهني الخاصة، مما يسهل الإجراءات الإدارية ويوفر معطيات دقيقة والتركيز على إدراج اختصاصات تكنولوجية ورقمية حديثة تلبي متطلبات سوق العمل الذكي و تعزيز الشراكة بين القطاعين العام والخاص و دعم نظام التكوين بالتدرج الذي أثبت نجاعته في توفير مناصب شغل (حوالي 39 ألف منصب في 2025) و مشاركة الغرف المهنية في تحديد الاحتياجات التكوينية وإعداد برامج التدريب لضمان تطابق المهارات المكتسبة مع متطلبات الإنتاج و رفع جودة التكوين والحد من العشوائية والتركيز على تدريب المكونين البيداغوجيين وفقاً للمستجدات التكنولوجية في مجالات التخصص واقتراح برامج تكوين مستمر للشغالين لرفع إنتاجية المؤسسة والرفع من قدرتها التنافسية.
مدونة استشراف حاجيات السوق من كفاءات ومهارات
وفي سياق متصل أكد وزير التشغيل والتكوين المهني، رياض شوّد، مؤخرا خلال جلسة، بمجلس النواب بقصر باردو، أنّه " بات من الضّروري حوكمة منظومة التكوين المهني لإكسابها مرونة أكبر"، خاصّة أن طلبات التكوين بعدد من المراكز لم تبلغ طاقتها القصوى بعد منذ الثورة رغم ارتفاعها المتواصل منذ سنة 2023.
وتم في هذا الإطار الإعلان رسميًا عن إطلاق "المدونة التونسية للمهن والكفاءات"، تحت شعار: "نحو سوق شغل دامجة وأكثر ديناميكية قائمة على الكفاءات"والتي ستكون مرجعية وطنية شاملة للمهن والكفاءات، موجهة لمختلف الفاعلين في سوق الشغل، من طالبي الشغل والتكوين والتعليم العالي إلى المؤسسات الاقتصادية وتتيح المنصة الرقمية للمدونة تتيح للمستخدمين استكشاف المهن المطلوبة وتحليلها، إضافة إلى تحديد الكفاءات الضرورية لممارستها، سواء كانت فنية أو حياتية، مثل مهارات التواصل واللغات و تهدف إلى تقليص الفجوة بين مخرجات التكوين واحتياجات سوق الشغل.
تزايد طلبات التكوين إلى 24097 طلبا سنة 2025 وإحداث مراكز جديدة
وأكّد وزير التشغيل والتكوين المهني رياض شود مؤخرا أهمية تناغم منظومة التكوين المهني مع المؤسسة الاقتصادية وارتفاع نسبة إدماج خريجي التكوين المهني التي تصل إلى 100 بالمائة في بعض الاختصاصات، لافتا في المقابل إلى أن عدّة مراكز تكوين مهني مغلقة منذ الثورة، وأن عديد المراكز الأخرى لم تعد تبلغ إلى طاقتها القصوى رغم أن دورة سبتمبر من السنوات التكوينية 2023 و2024 و2025 عرفت تزايدا متواصلا لطلبات التكوين حيث سجّلت على التوالي 22147 و22520 و24097 طلبا.
وبين أن الوزارة تعمل على إحداث 31 مشروعا في إطار إعادة هيكلة مراكز التكوين المهني و3 مشاريع لتحديث مراكز التكوين المهني و 11 مشروعا خاصا بإحداث مراكز تكوين جديدة ومشروعين اثنين لإحداث وحدات تدريبية و 12 مشروعا لإحداث وحدات مبيت، فضلا عن تولّي الوكالة التونسية للتكوين المهني صيانة 70 مؤسسة فرعية باعتمادات تقدر بـ8 ملايين دينار.
هناء السلطاني