languageFrançais

أين تونس من التكوين الأكاديمي ومتطلبات سوق المالية الإسلامية؟

تمّ اليوم الخميس، بالمجمع التونسي ''بيت الحكمة'' طرح ملف ''الماليّة الإسلاميّة بين الواقع والآفاق'' من قبل قسم الدراسات الإسلامية.

وناقش الحاضرون عدّة مسائل منها المتعلّق بالغياب التام لكلّ ما هو فكر نقدي للمالية الإسلامية والذي يعتبر من بين الأسباب التي أخّرت تقدّم هذا القطاع بتونس. كما تمّ إرجاع ذلك إلى انغلاق الجامعات التونسية عن هذا الاختصاص وعدم تدريسها للمالية الإسلامية رغم تجربة ناجحة لتدريس المشتاقات المالية في المالية الإسلامية في الجامعات العربية منها السعودية في ما تغيّب عن البعض انفتاح الجامعة التونسية على هذا التخصّص من خلال تجربة جامعة الزيتونة، حسب الأستاذ الجامعي أيمن عجيلة.

نحتاج إصلاحا للأفكار والمصطلحات المعرفة للمالية الإسلامية مقابل الكلاسيكية

وطرح ايمن عجيلة  مقاربة هل أن سوق الشغل في السوق المالية الإسلامية  هو المطالب بالتأقلم  مع مايتم إنتاجه من طلبة أم العكس؟ مشيرا  إلى سوء توظيف بعض المصطلحات عند الحديث عن المالية الإسلامية في تونس واعتبار  البعض أن المالية الإسلامية هي البديل للمالية المصنفة حرام وغير شرعية في حين انه من المهم إصلاح هذه الأفكار  لأن الأهم حاليا هو خلق تكامل بين المالية الإسلامية  والمالية الكلاسيكية وهو ما تفرضه المتغيرات الوطنية والدولية وعدة تجارب وتوضيح  أن المالية الإسلامية لا يمكن اعتمادها فقط في الدول الإسلامية بالعكس.

وبيّن أهمية التمويل التشاركي والاقتصادي الاجتماعي والتضامني الذي أصبحنا نتحدث عنه في تونس  بين الأفراد والذي  يعتبر قيمة اجتماعية ولكن  البعض يعتبره آلية أساسية في المالية الإسلامية ويمكن أن تكون أساسا للاقتصاد التونسي وتهيئ بصفة مهمة الطالب لسوق الشغل في هذا الاختصاص.

وفي سياق متّصل، طرح الأستاذ بالمعهد العالي لأصول الدين بجامعة الزيتونة محمد الغروبي في تقرير بعنوان المالية الإسلامية الواقع والأفاق التكوين الجامعي  والبحثي في مستوى الإجازة والماجستير والدكتوراه مبرزا أهمية  تدريس المالية الإسلامية وتجربة المعهد العالي لأصول الدين في إدراج عدة اختصاصات موضحا الأسباب الداعية لتدريس هذا الاختصاص بالجامعات التونسية وآفاقه التشغيلية والتحديات التي تواجهه وربطه بالتغيرات المالية والاقتصادية  الراهنة وضرورة مواكبة التطور المتواصل للقطاع المالي الوطني والدولي وتنامي التحديات البيئية والاجتماعية التي تحتاج لأدوات تمويل بديلة.

تحديات يواجهها قطاع الصيرفة الإسلامية في تونس والعالم

وبيّن أنّ القطاع المالي الإسلامي يشهد تطورا وطنيا ودوليا، وفي تونس شهد قطاع المالية الإسلامية تطورا تجسّد من خلال عدّة مؤسّسات منها البنكية والمختصّة في التمويل الصغير والتمويل التكافلي والإيجار ووجود تمويلات ببنك التضامن في شكل عقود مرابحة وإيجار تُحدّد تبعا لخط التمويل الذي تحصل عليه من البنك الإسلامي للتنمية هذا   إلى جانب  التقدم على المستوى القانوني والتنظيمي من خلال إصدار قانون عدد 30 لسنة 2013  المتعلق بالصكوك الإسلامية والقانون المتعلق  بصناديق الاستثمار الإسلامية وقانون إتمام وتنقيح مجلة التأمين ومذكرة عمليات الصيرفة الإسلامية والمذكرة العامة لوزارة المالية الخاصّة بالنظام الجبائي لعمليات ممولة بالتمويل الإسلامي وقانون 2022 حول شروط إصدار صكوك إسلامية.

وأشار محمد الغروبي  إلى أنّه رغم هذا التقدّم القانوني والمؤسساتي لكن يبقى الكثير للإنجاز لوجود نقائص في هذا النظام منها على مستوى غياب سوق نقدية إسلامية وأدوات لإدارة السيولة المالية الإسلامية ما يرهق المؤسّسات المالية الإسلامية  في تونس، وهي عناصر تدعو إلى أهمية وجود خبراء في المجال لإيجاد حلول لهذه النقائص.

وبيّن أنّ أهمية تدريس المالية الإسلامية لا تقف على التطور الوطني للقطاع بل تمتد لتطوره على المستوى الدولي، بحسب تقرير سنة 2025 لمجلس الخدمات المالية الإسلامية، بيّن أنّ إجمالي فقد الأصول الإسلامية بلغ 3.88 بليون دولار سنة 2024، أيّ أنّ هذه الصناعة حقّقت نموا بـ 14.9 بالمائة سنة 2024، وهذا التطور لا يحجب نقائص منها استمرار التمركز الهيكلي للقطاع المصرفي في بعض الدول في ظل هيمنة  القطاع المصرفي على 71.6 بالمائة من إجمالي الأصول الإسلامية، كذلك قلة مصادر قاعدة التمويل في بعض الأسواق وشكوى الصكوك من عدة تحديات منها تعقيد طرق إصدارها والحاجة لمزيد ا من التيسير إلى جانب معاناة التمويل التكافلي من مجموع تحديات أهمها محدودية أدوات السيولة، وهو ما يزيد من مخاطر أداء هذه المؤسّسات إلى نقص في النضج الرقابي والتنظيمي بين الأسواق والتركز وتحديد المجالات الضيقة لتوظيف التمويلات الخاصّة بها إلى جانب محدودية الحجم والتمركز الجغرافي الصناديق الاستثمارية الإسلامية، حسب تقرير مجلس الخدمات المالية الإسلامية.

آليات المالية الإسلامية المالية تمويل بديل لمؤسسات الصغرى والمتوسطة

وشدّد محمد الغروبي على أنّ تواجد التشريعات والقوانين وتطوّرها مقابل التحديات القانونية والمؤسساتية والمالية يبرز الحاجة لتكوين جامعي مُتخصّص وتزويد السوق بكفاءات تستجيب لحاجيات وخصوصيات المجال ومتطلبات السوق الفنية والتنظيمية.

وأضاف آنّ تدريس هذا الاختصاص في الجامعة التونسية تُؤكّد من خلال التحديات الاقتصادية والاجتماعية التي تواجهها تونس اقتصاديا وحاجتها لأدوات تمويل بديلة في ظل محدودية النفاذ للتمويل خاصّة بالنسبة للمؤسّسات الصغرى والمتوسطة وتنامي الضغوطات البيئية والاجتماعية، وهو ما يدعو إلى إيجاد موارد جديدة وهو ما تؤكده تقارير البنك الدولي سنتي 2021 و2022.

وأكّد على أنّ المالية الإسلامية قادرة على أن تكون حلاّ لتوفير تمويلات مُهمّة للمؤسّسات الصغرى والمتوسطة ولحلّ الدولة التونسية عدّة تحديات من خلال الصكوك الخضراء والتمويل الأصغر الإسلامي والصدقات لحشد التمويلات الخيرية وتوجيهها للجهود الاقتصادية الإسلامي، وهو ما تؤكّده تقارير دولية منها تقرير للبنك الدولي بالشراكة مع البنك الإسلامي للتنمية سنة 2025 منها تقرير بين إمكانية مساهمة الزكاة في توفير ما بين 200 مليار دولار وترليون دولار لمكافحة الفقر.

واعتبر أنّ البحث في مجال الاقتصاد والمالية الإسلامية أصبحت له مفاهيمه مناهجه وبإمكانه توسيع ذلك إلى البحث في الابتكار المالي وعلاقته بالمرجعية الشرعية، مشيرا إلى انتهاج عدّة دول منهجا مهما في تدريس هذا التخصّص منها في ماليزيا وبريطانيا وفلسطين والسعودي والولايات المتحدة الأمريكية.

مسار أكاديمي وحيد لهذا التخصّص بالجمهورية يحتاج حلولا لهذه التحديات

واعتبر محمد الغروبي أنّ تونس تتميّز من خلال جامعة الزيتونة من خلال احتضانها مسارا أكاديميا متكاملا، ومتدرجا في هذا التخصّص المالي من خلال تجربة المعهد العالي لأصول الدين مهمة الذي كان رائدا في تدريس هذا الاختصاص من خلال عدّة مراحل، انطلقت أوّلها خلال 2011/2012 باختصاص تأهيل ماجسيتر البحث في الاقتصادي والمالية الإسلامية، وفي 2015/2016 بتأهيل الدكتوراه في الاختصاص نفسه، و2017/2018 بتأهيل الإجازة في الاقتصاد والمالية والمالية الإسلامية، و2019/2020 بتأهيل ماجستير مهني في الرقابة والتدقيق الشرعي في المؤسسات المالية، وخلال 2022/ 2023 بتأهيل دروس دكتوراه في اختصاص المالية لأوّل مرّة في جامعة الزيتونة وتوجّه المسار بقبول تأهيل مخبر البحث في الاقتصاد والمالية الإسلامية بعد أن كان وحدة بحث وهو الوحيد المختصّ في الاقتصاد والمالية الإسلامية على مستوى الجمهورية التونسية.

وشدّد المُتحدّث على أنّ تنوّع الدروس المقدّمة في المسارات الأكاديمية من خلال مواد المعتمدة والتي تتناول فقه المعاملات ومبادئ المالية الإسلامية ومبادئ في الاقتصاد والمحاسبة الإدارية والتشخيص المالي والاقتصادي وفقد المعاملات الإسلامية ومبادئ في الصيرفة الإسلامية ومقاصد الشريعة والمالية الاجتماعية وبناء لغة مشتركة بين العلوم الشرعية بالعلوم الاقتصادية والرياضيات والإحصاء مما يمكن الطالب من فهم المعاملات المالية المعاصرة.

وفي سياق مُتّصل، أكّد محمد الغروبي على أنّ هذا التقدّم الأكاديمي لا يخفي بعض التحدّيات منها التأهيل اللغوي في ظلّ التدريس بالعربية من جهة، ومتطلبات سوق الشغل في تونس من جهة أخرى، والتي تفرض التخصّص بلغات أخرى منها الانجليزية، والتحدّي الثاني يتعلق بمحدودية المراجع العلمية الرصينة باللغة العربية في مواد الاقتصاد والمالية، أمّا الثالث يتعلّق بتوفير كفاءات أكاديمية تجمع بين التأصيل الشرعي والخبرة الاقتصادية والمالية إلى جانب تحدّي تصحيح الصورة الذهنية للاختصاص وتعزيز الانفتاح على المحيط الاقتصادي والمهني بما يدعم فرص تشغيل خريجي المعهد المختصين في المالية الإسلامية.

هناء السلطاني