languageFrançais

مؤسسات الدفع في تونس.. مايجب أن تعرفه عن هذه المنظومة

تعزّزت مؤسسات الدفع في تونس بفاعل جديد بعد مصادقة البنك المركزي التونسي على منح ترخيص نهائي لأحد مشغلي الهاتف الجوال لممارسة نشاط مؤسسة دفع مقيمة في تونس، لتنضمّ إلى قائمة تضم 16 مؤسسة دفع مالي في تونس. 

يأتي ذلك في إطار سعي السلطات لتعزيز الشمول المالي في تونس والذي لا يتجاوز حاليا 40 بالمائة، خاصة في الأوساط غير الحضرية.

الأرقام الخاصة بنشاط هذه المؤسسات في 2025 تبعث إشارات إيجابية بشأن تطوّر المعاملات المالية الرقمية عبر الهواتف الذكية، إذ شهدت قفزة نوعية من  حيث تطوّرت بـ 81 بالمائة، وبنسبة 59 بالمائة  من حيث قيمة الأموال المتداولة.

ماذا نعني بمؤسسات الدفع 

تنشط مؤسسات الدفع في تونس ضمن إطار قانوني يضبطه أساسا  منشور البنك المركزي التونسي عدد 16 لسنة 2018، الذي يحدد القواعد المنظمة لنشاطها وشروط عملها.

وتمثّل هذه المؤسسات حلقة وسيطة بين التجار ومسدي الخدمات من جهة والحرفاء من جهة أخرى، من خلال تقديم خدمات مالية قريبة من الخدمات البنكية ولكن بمرونة أكبر ونطاق عمليات مختلف.

وتهدف مؤسسات الدفع  بالأساس إلى تسهيل المعاملات اليومية وتعزيز الإدماج المالي، خاصة بالنسبة للفئات التي لا تمتلك حسابات بنكية تقليدية ولا يمكنها الانتفاع بخدمات هذه المؤسسات.

ويرتكز عمل مؤسسات أساسا على خدمات الدفع والتحويل، وهي الخدمة التي تحقق عائدات أكبر لهذه المؤسسات، بحسب ما أوضحه خبير في الحلول المالية الرقمية لموزاييك.

وتشمل خدمات مؤسسات الدفع عموما التحويلات المالية بين الأفراد، والدفع الإلكتروني ووضع الأموال على الذمة (mise à disposition)، والتحويل من حساب إلى حساب، واستخلاص المدفوعات مباشرة إضافة إلى خدمة خلاص الفواتير.

تتم هذه العمليات غالبا عبر تطبيقات مثبتة على الهاتف الجوال، لكنّها متاحة أيضا لمن لا يمتلكون هواتف ذكية، من خلال التوجه إلى مكاتب مؤسسات الدفع المعتمدة لإجراء عمليات الدفع أو التحويل.

كما تسمح هذه المنظومة بربط مباشر بين مُسدي الخدمات والحرفاء إلكترونيا، وهو ما يطرح فرضيات حول النموذج الأنسب لتنظيم السوق، إمّا بتركيز مختلف الخدمات عبر  مجمّع دفوعات (agrégateur de paiement)، أو باعتماد كل مؤسسة دفع اتفاقيات مستقلة مع التجار ومزودي الخدمات.

وتعتمد منظومة الدفع أساسا على  المحافظ الإلكترونية التي تمكّن المستخدم من إجراء مختلف المعاملات المالية عبر الهاتف أو نقاط البيع.

تعزيز الإدماج المالي وتدعيم النشاط الاقتصادي

ويتم فتح هذه المحافظ وفق نظام التعرّف على الحريف الذي يحدد طريقة إدماج الحريف في المنظومة المالية. ويمكن أن تتم العملية إماعن بعد عبر وسائل رقمية أو  بحضور شخصي في بعض الحالات.

ويشير الخبير في هذا الخصوص إلى أنّ ذلك يختلف تبعا لطبيعة العمليات وحجم الأموال المتداولة، وفق المستويات أو  السقوف المالية (paliers) المحددة.

ويرى الخبير أن اعتماد هذا النظام يتم بشكل تدريجي  بهدف كسب ثقة المستهلكين وتشجيعهم على اعتماد هذه الخدمات الرقمية.

ويمكن تغذية المحافظ الإلكترونية إمّا عبر التحويل المالي من شخص يملك حسابا بنكيا أو الإيداع النقدي (Cash-in)  عبر نقاط البيع المعتمدة. 

وتشكّل هذه الآليات، وفقه، مرحلة لتعويد المستهلك على الدفع الإلكتروني، والتقليص التدريجي في الاعتماد على الدفع النقدي.

ولا يقتصر الهدف من هذه المنظومة على تسجيل الأموال الواردة والصادرة فحسب، بل يتعداه إلى إدماجها في الدورة الاقتصادية. "فكلما بقيت الأموال مودعة بالحسابات الإلكترونية أو البنكية لفترة أطول، أمكن إعادة توظيفها واستثمارها، وهو ما يعزز النشاط الاقتصادي ويتيح تحقيق عائدات مالية وبالتالي انجاز مزيد من الاستثمارات."

وهنا تكمن أهمّية هذه المنظومة في الإدماج المالي من خلال إدخال فئات جديدة من المجتمع في الدورة الاقتصادية الرسمية.

ثلاثة أنواع من  مؤسسات الدفع
 

ويشير الخبير في الحلول المالية الرقمية  إلى أنّه يمكن التمييز بين  ثلاثة أنواع رئيسية لمؤسسات الدفع. أوّلها المؤسسات المرتبطة بالبنوك التي تستند إلى قاعدة حرفاء هذه البنوك، مع إمكانية استقطاب حرفاء جدد لاحقا.

وتشمل أيضا المؤسسات المرتبطة بالتمويل الصغير، وهي تعتمد على شبكة من الحرفاء مثل الحرفيين وأصحاب المهن الصغيرة، التي تقصد هذه المؤسسات للحصول على قروض صغيرة والتي لا يمكنها أن تتعامل مع البنوك التقليدية لعدم استيفائها للشروط التي تعتمدها البنوك لتمويل المشاريع أو المؤسسات والأشخاص.

وتمثّل هذه الفئة حلقة أولى للإدماج المالي قد تستقطب من خلالها حرفاء آخرين ممن يتعاملون معهم، وإدماجهم تدريجيا في منظومة المعاملات المالية الرقمية والبنكية عموما.

كما يمكن أن تمثل هذه الخدمات، بحسب الخبير، فرصة لتطوير الخدمات المالية الإضافية (Upselling)  بما يساعد على تنمية المشاريع وتحسين الوضع المالي للحرفاء وتقليص مخاطر التعثر في السداد.

ثالث هذه المؤسسات تضمّ مشغلي شبكات الهاتف الجوال، الذين يمتلكون ميزة تنافسية مهمة مقارنة بالنوعين الأولين من مؤسسات الدفع. وتتمثل هذه الميزة في  قاعدة بيانات واسعة من المشتركين، ما يسهّل عليهم استقطاب الحرفاء مقارنة بالبنوك أو مؤسسات التمويل التي تحتاج إلى جهود أكبر للبحث عن مستخدمين جدد.

ورغم الآفاق الواعدة، لا تخلو هذه المنظومة من بعض الإشكاليات، من أبرزها  تسعيرة الخدمات.

ففي إطار تشجيع الدفع عبر الهاتف المحمول، تم إعفاء المعاملات التجارية التي تقل قيمتها عن مبلغ معيّن (15 دينارا) من الرسوم. غير أن نسبة كبيرة من المعاملات  في السوق بالنسبة للفئات المستهدفة من منظومة الدفع تقل عن هذا المبلغ، ما قد يجعل العائدات محدودة بالنسبة لمؤسسات الدفع.

كما تبرز مخاوف من تجزئة الحرفاء للمدفوعات التي تتجاوز 15 دينارا إلى عمليات أصغر لتفادي دفع الرسوم.

في المقابل، يوفر الدفع الإلكتروني مزايا للتجار من خلال تقليص التعامل بالسيولة النقدية والحفاظ على أموالهم في حسابات آمنة ويجنّبهم التعقيدات المرتبطة بإيداع الأموال.

ويشير الخبير إلى أنه عند فتح السوق أمام مؤسسات الدفع كانت هناك آمال كبيرة في تطوير هذا القطاع، غير أن الشروط التنظيمية المشددة حدّت نسبيا من وتيرة نموه، كما أن عائد الاستثمار ما يزال غير واضح بشكل كامل.

تحويل الأموال توفّر أكبر عائد مادي لمؤسسات الدفع

وبينما تبقى عائدات خدمات خلاص الفواتير محدودة، فإن عمليات تحويل الأموال تمثّل مصدر الربح الأكبر لمؤسسات الدفع والتي  تستفيد أيضا من الاحتفاظ بالأموال داخل الحسابات (Rétention d’argent).

ويشرح الخبير في هذا السياق أنّه كلما بقيت الأموال داخل منظومة مؤسسة الدفع لفترة أطول، زادت قدرتها على تحقيق عائدات. كما أن التحويلات بين المؤسسات تعتمد في الغالب على نسبة من الأموال المتداولة، وليس على مبلغ ثابت، وهو ما يفسر أهمية حجم العمليات بالنسبة لهذه المؤسسات.

469 ألف محفظة إلكترونية

ولا يبدو أنّ الإجراءات المتّخذة كافية لحثّ الفئات المستهدفة على الانخراط في منظومة الدفع الرقمي، ويمكن الاستدلال على هذا الأمر بعدد المحافظ الإلكترونية، حيث تبلغ بحسب إحصائيات نشرها البنك المركزي التونسي  469 ألف محفظة إلكترونية، وهو ما يشكّل نسبة صغيرة من إجمالي عدد الأشخاص المحتملين للإنخراط في هذه المنظومة. 

ويعكس هذا الرقم حجم التحديات أمام السلطات لتطوير الدفع الإلكتروني وتعزيز الشمول المالي. 

الدفع بالهاتف الجوال في أرقام

شهدت عمليات الدفع باستخدام المحافظ الإلكترونية في سنة 2025 تطوّرا بـ 59 بالمائة من حيث قيمة المعاملات لتبلغ 1769 مليون دينار، أكثر من نصفها تعلّق بعمليات دفع (50.7%) فيما توزّع باقي المبلغ بين عمليات الإيداع والتحويلات ومثّلا تباعا 17.8 بالمائة و17.3 بالمائة، ونسبة 14.2 بالمائة بالنسبة لعمليات الدفع.

وفي 2025 تمّ إنجاز 8.4 مليون عملية (بتطوّر قدره 81 بالمائة ) عبر مختلف مسدي خدمات الدفع والبالغ عددها 16 مؤسسة.

واستحوذت عمليات الدفع على النصيب الأكبر متجاوزة نسبة 62 بالمائة فيما توزعت باقي العمليات بين خدمات التحويل (21.2%) والإيداع (11.7%) والسحب(4.7%).

شكري اللّجمي