languageFrançais

'بَكْمَة'.. حين تصرخ دابة في وجه الإنسان!

من كلاب تقنص في الشوارع إلى نساء يُقتلن في الظلام، ومن طفل يتعلّم الإهانة قبل أن يتعلّم الحب إلى رجل يحوّل ألمه إلى وحشية.. يفتح عبد الحميد بوشناق في ''بَكْمَة'' جرح العنف على اتساعه، ويضع المشاهد أمام سؤال لا تقدر الدماء وحدها على الإجابة عنه: من يصنع الوحش، ومن يتحمّل مسؤولية إطلاقه في العالم؟

وفي عرضه ما قبل الأول، مساء الخميس 15 أكتوبر 2026، بقاعة الأوبرا في مدينة الثقافة الشاذلي القليبي، قدّم بوشناق فيلمه الجديد ''بكمة''.. العمل الذي يضع سينما الرعب التونسية أمام امتحان جديد:  فيلم يمتدّ على 114 دقيقة، تتداخل فيه الجريمة بالغموض والرعب النفسي والمشهدية الدموية، لكن مركز ثقله الحقيقي لا يكمن في عدد الجثث ولا في فظاعة التفاصيل، بل في السؤال الأخلاقي الذي يختبئ خلفها: ماذا يحدث حين يسلب كائن حقّه في أن يكون مرئيا ومسموعا ومحترما، ثم يقرّر أن يردّ على العالم بلغته الأكثر وحشية؟

بكمة والرهانات ..

ويراهن ''بَكْمَة''، الفيلم الروائي الطويل الجديد للمخرج التونسي عبد الحميد بوشناق، على المسافة الفاصلة بين الخوف والاشمئزاز، وبين الرغبة في إغماض العين والإحساس بأن إدارة الوجه ليست سوى شكل آخر من أشكال الهروب. إنه فيلم يدخل إلى العتمة لا ليضيء الطريق بالضرورة، بل ليكشف ما اعتدنا ألّا نراه: العنف حين يصبح مألوفا، والقسوة حين تتحوّل إلى ممارسة يومية، والإنسان حين يفقد إنسانيته بالتدريج، أو حين يكتشف أن الآخرين لم يعترفوا بها فيه أصلا.

وعنوان الفيلم وحده كاف لفتح باب التأويل. ففي التعبير التونسي، تستحضر كلمة ''بَكْمَة'' صورة الحيوان العاجز عن الكلام والدفاع عن نفسه، ولا سيما الكلب الذي ينظر إليه أحيانا باعتباره كائنا يمكن التخلص منه دون كثير من التفكير أو الشعور بالذنب. لكن بوشناق لا يكتفي بإحالة لغوية محلية، بل يقلب الدلالة على وجهها الآخر: ماذا لو لم تكن الحكاية عن الحيوان الذي لا يتكلم، بل عن مجتمع لا يريد أن يسمع صراخه؟

الصمت والخوف ..

هنا نكتشف قوة الفكرة، فالصمت ليس دائما غيابا للصوت قد يكون نتيجة للخوف، أو للعجز عن التواصل، أو لسنوات طويلة من الإذلال الذي يقنع صاحبه بأن كلامه لا قيمة له.

وقد يكون، في المقابل، صمت الآخرين عن الألم، حين يمرّون أمامه كما لو أنه جزء طبيعي من المشهد. فياسين، الشخصية المحورية في الفيلم، أصمّ، لا أبكم وهذا التفصيل ليس هامشيا، بل مفتاح لقراءة العلاقة التي يبنيها العمل بين الإنسان والحيوان، وبين العجز عن التواصل والعجز الأخلاقي عن التعاطف. فالإعاقة السمعية ليست في ذاتها مصدرا للعنف، ولا تفسيرا للجريمة إنما تكمن الدلالة في عالم يحيط بالشخصية بالإهانات والنبذ، ولا يمنحها المساحة اللازمة لتكون مفهومة خارج أحكامه المسبقة.

إنه عالم يسمع الكلمات الجارحة جيدا، حتى حين لا يسمعها الشخص الموجّهة إليه بالطريقة نفسها. عالم لا يحتاج فيه الإيذاء إلى لغة مشتركة، لأن الإهانة تستطيع أن تصل عبر النظرة والحركة والضرب والإقصاء. وفي هذا التناقض، يضع الفيلم إحدى أكثر مفارقاته إيلاما: قد يعجز الإنسان عن سماع العالم، لكن العالم لا يعجز عن إيذائه. غير أن العنوان يذهب أبعد من شخصية ياسين. إنه يستدعي كل من حُرموا القدرة على الدفاع عن أنفسهم، وكل من تحوّل ضعفهم إلى مبرر لاستباحة كرامتهم. 

وبين الحيوان والإنسان، تتشكّل مرآة لا تريح أحدا: من يملك القوة يملك أحيانا حق تعريف الضحية، بل وحق تقرير ما إذا كانت تستحق الحياة أصلا.

كلب في يد إنسان.. إنسان في فم الوحش 

وينطلق الفيلم من مشهد مألوف وقاسٍ في الواقع التونسي: قنص الكلاب السائبة والتخلص منها وهو مشهد قد يمرّ في الحياة اليومية بوصفه إجراء عاديا، أو مسألة مرتبطة بالنظام العام والصحة والسلامة، لكنه يتحوّل في رؤية بوشناق إلى مدخل لمساءلة الطريقة التي نتعامل بها مع الكائنات الأضعف. ولا تكمن المسألة في إنكار تعقيدات ظاهرة الكلاب السائبة أو متطلبات التعامل معها، بل في السؤال عن الحدود التي ينبغي ألا يتجاوزها الإنسان حين يتعامل مع حياة أخرى. متى يصبح التخلص من الخطر ممارسة بلا رحمة؟ ومتى تتحوّل القوة من وسيلة للحماية إلى ترخيص مفتوح للإيذاء؟ 

ومن هذه النقطة، يشيد ''بَكْمَة'' جسرا قاتما بين قتل الحيوان وقتل الإنسان. ياسين، عون الشرطة البلدية المكلّف بقتل الكلاب السائبة، يتحوّل تدريجيا إلى قاتل يستهدف البشر، والنساء تحديدا. وكأن الفيلم يضعنا أمام انتقال مرعب من العنف الذي يمارسه المجتمع باسم النظام إلى العنف الذي يمارسه الفرد باسم انتقامه الشخصي. لكن الفيلم لا يقول إن قتل الكلاب يقود حتما إلى قتل البشر، ولا إن القسوة على الحيوان تفسّر وحدها الجريمة. إن ما يقترحه، في مستواه الرمزي، هو أن الاعتياد على رؤية الألم دون مساءلة قد يوسّع مساحة اللامبالاة، وأن الكائن الذي نتدرّب على عدم الاكتراث بمعاناته قد يكشف لنا، على نحو مفزع، حدود تعاطفنا نحن.

والكلب في فيلم عبد الحميد بوشناق ليس مجرد حيوان في الشارع، بل هو علامة على كل حياة لا تملك سلطة الاحتجاج. وحين يستبدل القاتل رأسه برأس كلب، لا تكون الصورة مجرد تفصيل صادم في بناء الجريمة، بل انقلابا على العلاقة المعتادة بين الإنسان والحيوان. ما كان يُقتل في صمت يعود، داخل الحكاية، ليصبح جزءا من مشهد قتل لا يستطيع أحد تجاهله. إنها صورة تستفز المتفرج، لكنها تضعه أيضا أمام سؤال أشد قسوة من الصورة نفسها: لماذا نحتاج أحيانا إلى مشهد بالغ الوحشية كي نشعر بفظاعة عنف اعتدنا رؤيته في حياتنا اليومية؟

ياسين.. ضحيّة تعلّمت لغة جلّادها

ويضع بوشناق خلف القاتل طفلا لم يجد في طفولته ما يكفي من الحنان ليشعر بأنه يستحقه: غياب الأب، والإهانات الأسرية، والعلاقة المتوترة بالأم المحتضرة، والتنمر الاجتماعي، كلها عناصر تتراكم في خلفية ياسين، وتساهم في رسم ملامح شخصية عاشت طويلا على هامش العلاقات الإنسانية. ففي طفولته، يتعرض للإذلال داخل البيت، ويُعامل بطريقة تنتقص من كرامته، حتى يُقدّم إليه الطعام كما يُقدّم للحيوانات. ثم تمتد دائرة الإيذاء إلى المحيط الاجتماعي، حيث تتحوّل الاختلافات إلى مادة للسخرية والاحتقار. 

هكذا لا يعود البيت ملاذا، ولا الشارع فضاء للانتماء، ولا الآخر احتمالا للصداقة. يصبح العالم كله مكانا يتوقع منه الأذى. لكن أهمية هذه الخلفية لا تكمن في تحويل ياسين إلى ضحية تستدرّ التعاطف، بل في كشف الطريق الذي يمكن أن يسلكه الألم حين يُترك دون احتواء أو مساءلة. فالفيلم لا يضع أمامنا قاتلا بلا ماضٍ، بل إنسانا تشكّل داخل تاريخ من الإهانة، ثم حوّل ما تعرّض له إلى سلوك يمارسه على الآخرين. وهنا تقع المعضلة الأخلاقية الحقيقية: هل يستطيع الألم أن يفسّر الجريمة دون أن يبرّرها؟ ففي حالة ياسين، يبدو الانتقام محاولة لاستعادة السيطرة على عالم لم يمنحه يوما شعورا بالأمان. لقد عاش في موقع الضعيف، فيتجه إلى إخضاع الآخرين حرم من الاعتراف بإنسانيته، فينزع عن ضحاياه إنسانيتهم. إنه لا يمحو ماضيه بقدر ما يعيد تمثيله، ولكن بأدوار معكوسة: يصبح هو صاحب اليد العليا، ويصبح الآخر عاجزا عن الدفاع عن نفسه.

وهكذا لا يقدّم ''بَكْمَة'' تحوّل الضحية إلى جلاد بوصفه مفاجأة درامية فحسب، بل باعتباره واحدة من أكثر دوائر العنف إظلاما: أن ينجو الإنسان من جلاده جسديا، لكنه يحمل منطقه في داخله، ثم يعيد إنتاجه على أجساد الآخرين. ومع ذلك، تظل هذه القراءة اختبارا نقديا للفيلم نفسه. فكلما اقتربت الشخصية من صورة الوحش المطلق، ازدادت حاجتنا إلى فهم التناقضات التي تحركها، وإلى معرفة ما إذا كان العمل يمنحنا أدوات لتفكيكها أم يكتفي بإحاطتها بهالة من الرعب.

''أطراف المدينة''.. جريمة تكشف 

في مدينة تونسية صغيرة، وفي ليلة شتوية تتساقط فيها الأمطار بغزارة، يستدعى المحققان علي منصور وخالد إلى مسرح جريمة داخل الطابق السفلي لمبنى سكني قديم وسط الدماء، تظهر جثة مشوّهة على نحو يفتح بابا من الأسئلة المقلقة، قبل أن تتكشف حقيقة تقلب مسار التحقيق: ما بدا جسدا واحدا ليس سوى تجميع لأجزاء بشرية تعود إلى نساء متعددات.

ومن هذه اللحظة، يتخذ الفيلم مساره البوليسي، لكنه لا يبقى أسير سؤال الهوية: من القاتل؟ كيف ارتكب جريمته؟ وما الدليل الذي سيقود إلى كشفه؟ فالغموض هنا وسيلة للدخول إلى منطقة أعمق، حيث تصبح الجريمة أثرا حاضرا لماضٍ لم ينتهِ، ويصبح التحقيق محاولة لفهم ما وراء الفعل، لا مجرد جمع للأدلة: الليل والمطر والمبنى القديم والجسد المشوّه ليست عناصر منفصلة عن المعنى. إنها مكونات عالم يبدو فيه الخطر كامنا خلف الأبواب، وفي الزوايا، وفي التفاصيل التي لا ينتبه إليها الناس إلا بعد وقوع الكارثة. المدينة لا تحتاج إلى أن تتحول إلى فضاء خيالي كي تصبح مرعبة؛ يكفي أن تنكشف طبقاتها المخفية، وأن يتضح أن الهدوء الذي تبدو عليه لا يعني بالضرورة أنها آمنة.

لكن الجانب البوليسي يطرح، بدوره، سؤالا فنيا: هل ينجح الغموض في تعميق فهم الشخصية، أم تتحول الجريمة إلى سلسلة من المفاجآت التي تستمد قوتها من فظاعة ما تكشفه؟ إنها مسألة أساسية في فيلم يراهن على الصدمة، لأن نجاح الرعب لا يقاس فقط بقدرته على إبقاء المتفرج متوترا، بل بقدرته على جعل كل كشف جديد يغيّر فهمنا لما سبق.

قسوة الصورة..

ولا يمكن الحديث عن ''بَكْمَة'' دون التوقف عند اختياره البصري الأكثر إثارة للجدل: مشاهد القتل والتعذيب والتقطيع وتشويه الجثث، التي تُقدَّم بوضوح قاسٍ، وتدفع المتفرج أحيانا إلى الرغبة في إغماض عينيه. فقد تعمّد بوشناق جعل العنف صادما، انطلاقا من قناعته بأن مواجهة هذه الظاهرة قد تستدعي وضع المتلقي مباشرة أمام بشاعتها، بدلا من الاكتفاء بخطابات توعوية خفيفة. إنها رؤية تقوم على كسر المسافة الآمنة بين الجمهور وما يشاهده، وعلى جعل الصورة تجربة حسية لا تمرّ بلا أثر. 

فالعنف في السينما ليس مشكلة في ذاته قد يكون أداة لكشف السلطة، أو فضح القهر، أو تمثيل الانهيار النفسي، أو جعل المتفرج يرى ما يحاول الواقع إخفاءه. غير أن الصورة الدموية لا تصبح عميقة لمجرد أنها فظيعة، كما أن المشهد الصادم لا يصبح ضروريا لمجرد أنه يثير الاشمئزاز.

ووسط التركيز على القاتل ثمة جانب لا ينبغي أن يضيع وهو ضحاياه من النساء. فحين تتحول أجسادهن إلى موقع للجريمة والتشويه، يصبح من الضروري ألا يقتصر النظر إليهن على دورهن في صناعة الرعب أو دفع التحقيق إلى الأمام. فتصوير العنف ضد النساء يكتسب قوته النقدية حين يمنح الضحايا حضورا إنسانيا، ولو من خلال آثار غيابهن، وحين يجعل الجريمة مدخلا لفهم منطق السيطرة الذي يحوّل الآخر إلى شيء قابل للاستخدام والإلغاء. أما إذا استُخدمت الأجساد المشوهة أساسا لرفع مستوى الصدمة، فإن الفيلم يخاطر بأن يعيد إنتاج اختزال الضحية الذي يريد فضحه. وهنا يلتقي السؤال الجندري بالسؤال الأوسع الذي يطرحه العمل: من يملك السلطة على جسد الآخر؟ وكيف تتحول الرغبة في السيطرة إلى محو كامل لوجوده؟ فانتقال ياسين من قتل الكلاب إلى استهداف النساء يوسّع دائرة العنف داخل الحكاية، لكنه يستدعي أيضا تدقيقا في كيفية بناء الدوافع، وفي ما إذا كان الفيلم يمنح ضحاياه ما يكفي من الحضور كي لا يتحولوا إلى مجرد علامات على وحشية القاتل.

فالمواجهة الحقيقية مع العنف لا تبدأ من النظر إلى الجلاد وحده، بل من استعادة الضحية إلى مركز الحكاية، باعتبارها إنسانا لا تفصيلا دمويا. والصدمة قد تكون بابا إلى الوعي، لكنها ليست الوعي نفسه. وقد تنجح في زعزعة راحة المتفرج، لكنها تحتاج إلى بناء درامي ونفسي متماسك كي تتحول من أثر لحظي إلى تجربة تستمر بعد انتهاء العرض. ولذلك، لا يكفي أن نسأل إن كان ''بَكْمَة'' فيلما عنيفا السؤال الأهم هو ما إذا كان ينجح في تحويل العنف إلى معرفة، وما إذا كانت الصورة تفتح جرحا كي نفهمه، أم تكتفي بتوسيعه كي لا نستطيع تجاهله.

صورة خانقة وصمت صارخ 

وعلى المستوى التقني، يعتمد الفيلم على بناء مناخ بصري وصوتي قاتم، تتداخل فيه الإضاءة والظلال والأمكنة والموسيقى في تشكيل الإحساس بالخطر. ويصبح المكان، ولا سيما الفضاءات المغلقة، جزءا من الضغط النفسي الذي يعيشه المتفرج، فيما تضيف الليلة الممطرة والبيئات المتداعية إحساسا بأن العالم نفسه يضيق على شخصياته. وتمنح شخصية ياسين للصمت وظيفة درامية خاصة. فالصمت هنا ليس مجرد فراغ صوتي، بل عنصر يساهم في تشكيل العلاقة بين الشخصية ومحيطها. وفي عالم تتكاثر فيه الإهانات والاعتداءات، يصبح غياب التواصل خلفية لفشل أوسع: فشل الآخرين في الإصغاء، وفشل العلاقات الإنسانية في احتواء الاختلاف، وفشل المجتمع في رؤية ما يتكوّن خلف العزلة.

ويستحق هذا الجانب التقني النظر إليه بوصفه جزءا من التجربة لا مجرد غلاف لها. فالرعب لا يصنع بالدم وحده، بل بالإيقاع الذي يسبقه، وبالفراغ الذي يليه، وبالمعلومة التي يحجبها الفيلم عن المتفرج، وباللحظة التي يقرر فيها أن يكشفها. ومن هذه الزاوية، تبدو قيمة الصورة مرتبطة بقدرتها على إدارة التوتر، لا بمجرد إظهار التفاصيل. فالمشهد الذي يترك مساحة لخيال المتفرج قد يكون أحيانا أكثر إيلاما من المشهد الذي يكشف كل شيء؛ لأن الخيال لا يكتفي بما تعرضه الشاشة، بل يواصل بناء احتمالاته الخاصة.

ويرفض ''بَكْمَة'' منح المتفرج انفراجا دراميا تقليديا.. فالمجرم لا يقع في قبضة الأمن ويظل التهديد باستمرار القتل قائما والنهاية لا تعيد النظام إلى مكانه، ولا تطمئن الجمهور بأن العدالة وصلت في اللحظة المناسبة، بل تترك باب الخوف مفتوحا على احتمالاته. إنها نهاية منسجمة مع عالم يرفض الحلول السهلة. 

بين العقاب والإذلال

وهنا يصبح ''بَكْمَة'' أكثر من فيلم رعب عن قاتل غامض. إنه اختبار لقدرتنا على التمييز بين العقاب والإذلال، وبين الحماية والبطش، وبين فهم الجريمة وتبريرها، وبين التعاطف مع الضحية وإعفاء الجلاد من المسؤولية. وفي هذا الفيلم يصرخ الحيوان من وراء الصورة، ويصمت ياسين في وجه عالم لا يصغي، ثم يتكلم القاتل بلغة الدم. وبين هذه الأصوات المتناقضة، يضع عبد الحميد بوشناق المشاهد أمام مرآة لا تعفيه من السؤال. فربما لا يكون الرعب الأكبر أن يتحول الإنسان إلى وحش، بل أن يعتاد العالم مشاهدة التحوّل، وأن يواصل حياته كأن شيئا لم يحدث. وربما لا تكون «بَكْمَة» صرخة دابة في وجه الإنسان فحسب، بل صرخة الإنسان الأخيرة حين يكتشف أنه، في لحظة ما، صار يشبه جلّاده أكثر مما يشبه الطفل الذي كانه يوما.

ولا يعدّ دخول بوشناق إلى هذه المنطقة القاتمة مغامرة عابرة في مسيرته. فمنذ فيلمه الروائي الطويل ''دشرة''، الذي عُرض في مهرجان البندقية السينمائي سنة 2014 قبل انطلاق عرضه التجاري في تونس سنة 2015، رسّخ المخرج اهتمامه بسينما النوع، وبإمكانات الرعب والإثارة في بناء الحكاية السينمائية. ثم اتسعت تجربته عبر أعمال تلفزيونية من بينها ''النوبة'' و''رقوج'' و''كان يا ماكانش''، إلى جانب الكوميديا النقدية في ''هاذوكم''. وفي ''فرططو الذهب'' و''الإبرة''، واصل التنقل بين أشكال سردية مختلفة، فيما يقدّم ''بَكْمَة'' محاولة جديدة لتوسيع مساحة الرعب، وربطه مباشرة بالأسئلة الاجتماعية والأخلاقية.

وتبرز في العمل أسماء تمثيلية من بينها منيرة الزكراوي وعزيز الجبالي وهادي الكريسعان، إلى جانب بقية الممثلين الذين يساهمون في بناء عالم الفيلم. ويتولى عبد الحميد بوشناق الإخراج والسيناريو والمونتاج، فيما يضع حمزة بوشناق الموسيقى، ويشارك في الإنتاج إلى جانب حسني الغربياني، ضمن تجربة تتقاطع فيها الرؤية الإخراجية مع تصميم الأجواء وتفاصيلها.

ومن المنتظر أن ينطلق عرض الفيلم في القاعات السينمائية التونسية يوم 21 أكتوبر الجاري، حاملا معه تجربة لا تعد المتفرّج بنزهة مريحة، ولا تمنحه ضمانة أخلاقية بأن الشرّ سيهزم في النهاية.

الواثق بالله شاكير