من كوبا إلى تونس.. بوقرنين ترقص على إيقاع الهافانا
ليست كل الرحلات تحتاج إلى جواز سفر، فبعضها يبدأ مع أول نغمة موسيقية. وهذا تماما ما حدث مساء الثلاثاء على ركح مهرجان بوقرنين الدولي، حين اختفت المسافات بين ضفتي المتوسط والبحر الكاريبي، وصارت هافانا أقرب إلى حمام الأنف من أي وقت مضى.
ولم يكن الجمهور مدعوا إلى مجرد حفل موسيقي، بل إلى احتفال بالحياة. فمنذ اللحظات الأولى، أخذ ثنائي "سوموس ناي" الحاضرين إلى عالم تتجاور فيه الرقة مع الحيوية، حيث كانت المغنية أناهي دياز ييتي تغزل بصوتها دفئا لاتينيا خاصا، فيما كان خوسيه رامون كابريرا يحاور البيانو كما لو كان يروي حكايات قديمة من شوارع كوبا وساحاتها المفعمة بالرقص.
ولم تكن الموسيقى هنا بحاجة إلى ترجمة. فقد كانت الإيقاعات تتكفل بكل شيء، تنقل المعنى مباشرة إلى القلوب، وتجعل الأقدام تتحرك تلقائيا، وكأن المسرح تحول إلى ساحة احتفال شعبية في قلب هافانا. ثم جاء راؤول باز ولم يدخل الركح بقدر ما دخل ذاكرة السهرة. حضوره لم يكن صاخبا بقدر ما كان آسرا. صوته يحمل دفء المدن المطلة على البحر، وأغانيه تعبر بخفة بين البوب والروك والإيقاعات الكوبية التقليدية، في تجربة موسيقية لا تعترف بالحدود ولا بالقوالب الجاهزة.
ومع كل أغنية، كانت الفرقة الموسيقية تنسج لوحة جديدة. الكمان يضيف مساحات من الشجن، والأكورديون يفتح نوافذ على موسيقى العالم، فيما كانت الآلات الإيقاعية تضخ نبضا متواصلا جعل الجمهور شريكا في العرض لا مجرد متفرج عليه. هنا تصفيق، وهناك رقص، وفي كل الزوايا ابتسامات تؤكد أن الموسيقى ما تزال اللغة الوحيدة التي يفهمها الجميع دون مترجم.
ولم تكن الأغاني في هذه اللّيلة مجرد مقطوعات تؤدى فوق الركح، بل كانت رسائل ثقافية حملت روح كوبا إلى تونس، وأثبتت أن الفن قادر على أن يختصر آلاف الكيلومترات في ساعة ونصف من المتعة الخالصة. ولعل أجمل ما صنعه الحفل أنه لم تقدم كوبا كوجهة سياحية، بل كهوية موسيقية نابضة بالحياة، تحمل تاريخها وإيقاعاتها وذاكرتها إلى جمهور جاء ليستمع، فعاد وقد عاش تجربة كاملة.
وفي نهاية السهرة، بدا المشهد وكأن البحر نفسه كان يصغي. فمن هافانا إلى بوقرنين، لم تكن المسافة سوى أغنية.. ولم يكن الفاصل بين شعبين سوى إيقاع جعل الجميع يرقص على نبض إنسانية واحدة.
الواثق بالله شاكير


