languageFrançais

'وطن بحب العاشقين'.. قرطاج يغني لتونس في عيد الجمهورية

في أمسية امتزج فيها عبق التاريخ بنبض الوطن، تحوّل المسرح الأثري بقرطاج إلى مساحة تحتفي بالهوية التونسية، لا عبر الخطب والشعارات، بل من خلال الأغنية التي ظلت على امتداد عقود الذاكرة الأكثر صدقا في التعبير عن حب البلاد. فبمناسبة عيد الجمهورية، حمل عرض "وطن بحب العاشقين" رسالة فنية واضحة: حين يغني التونسي لوطنه، يصبح الفن شكلا من أشكال الانتماء.

ولم يكن اختيار عنوان "وطن بحب العاشقين" اعتباطيا، فالعشق هنا لم يكن مجرد استعارة شعرية، بل حالة عاشها كل من اعتلى الركح وكل من جلس في المدارج. وفي الدورة الستين لمهرجان قرطاج الدولي، جاء هذا العرض ليؤكد أن الأغنية التونسية ما تزال قادرة على جمع الأجيال حول ذاكرة واحدة وهوية واحدة.

وقاد المايسترو يوسف بلهاني الفرقة الوطنية للموسيقى بثقة واقتدار، مقدما توزيعات موسيقية حافظت على روح الأغاني الأصلية، مع لمسات أوركسترالية منحتها بعدا احتفاليا يليق بالمناسبة. أما اللونان الأبيض والأحمر اللذان طغيا على أزياء العازفين، فقد كانا امتدادا بصريا لروح الجمهورية، في لوحة حملت رمزية العلم والوطن.

وافتتحت السهرة بالكورال الوطني "بلادي عرين الأسود"، قبل أن تختتم بالأغنية نفسها، في بناء درامي ذكي جعل الوطن بداية الحكاية ونهايتها، وكأن كل الأغنيات التي تعاقبت بينهما لم تكن سوى فصول مختلفة من قصة حب واحدة. ليمنح هذا الاختيار العرض تماسكا فنيا، ورسّخ فكرة أن الأغنية الوطنية لا تعيش فقط في المناسبات الرسمية، بل تستمد قيمتها من قدرتها على استحضار الذاكرة الجماعية للتونسيين.

نجوم يروون مسيرتهم بالأغنية

وفي الجزء الأول من السهرة، حضرت أسماء صنعت جزءا مهما من المشهد الغنائي التونسي، وقدمت مختارات من أعمالها التي ارتبط بها الجمهور: علياء بلعيد، التي عبّرت قبل الحفل عن اعتزازها بالمشاركة بدعوة من وزارة الشؤون الثقافية، أكدت فوق الركح ما تقوله دائما خارجَه: أن الثقة بالنفس لا تعني الغرور. فجاء أداؤها لأغنيتي "هبت نسمة شالها" و"لا نعزم" مفعما بالإحساس، بينما ظل خطابها الداعم للمرأة التونسية الحرة حاضرا كجزء من هويتها الفنية.

أما غازي العيادي، الذي أثار قبل أيام نقاشا حول واقع الإنتاج الموسيقي وصعوبات البرمجة في المهرجانات، فقد ترك الجدل جانبا، وترك الكلمة للأغنية. فقدم باقة من أشهر أعماله، بينها "بعترفلك" و"حبيت زماني" و"للات الزين"، ليستعيد مع الجمهور سنوات من النجاح والوفاء للأغنية التونسية.

وشكل حضور شهرزاد هلال امتدادا لذاكرة الأغنية الرومانسية، من خلال أعمال مثل "لاموني الناس" و"خلينا أصحاب" و"يا حسرة عليك"، فيما اختار سفيان الزايدي المزج بين أغنيته "خمسة سنين" والغناء الصوفي التونسي، ليمنح السهرة بعدا روحيا تفاعل معه الجمهور بحرارة.

تحية إلى ذاكرة الأغنية النسائية

وفي القسم الثاني، انتقلت السهرة إلى استحضار المدرسة الذهبية للأغنية التونسية، حيث أعادت وفاء عباسي وملكة الشارني ومريم نور الدين الحياة إلى روائع صليحة وعلية ونعمة وسلاف. من "عرضوني زوز صبايا" إلى "شرق غدا بالزين" و"آه يا خليلة" و"عليّ جرى" و"حليلي وي"، بدا المسرح وكأنه يعبر بين الأزمنة، ليؤكد أن الأغنية التونسية الأصيلة ما تزال قادرة على ملامسة الوجدان، مهما تغيرت الأذواق والأجيال.

 ولم يكن "وطن بحب العاشقين" مجرد سهرة غنائية ضمن برمجة مهرجان قرطاج، بل بدا أقرب إلى بيان فني يؤكد أن الثقافة تظل إحدى أقوى أدوات ترسيخ الانتماء الوطني. ففي زمن تتسارع فيه التحولات الموسيقية، اختار هذا العرض أن يمنح الأولوية للصوت التونسي، وللإبداع المحلي، وللذاكرة التي صنعت وجدان أجيال كاملة. لذلك لم يكن تصفيق الجمهور موجها للفنانين وحدهم، بل للأغنية التونسية نفسها، وهي تستعيد مكانها الطبيعي على أحد أعرق المسارح في العالم.