تونس تحتفي بالمسرح في يومه العالمي
في اليوم العالمي للمسرح، لم يكن الاحتفاء في تونس مجرّد موعد عابر ضمن الروزنامة الثقافية، بل لحظة اعتراف عميقة بفنّ ظلّ، رغم كل التحوّلات، قادرا على مساءلة الإنسان وإعادة تعريف علاقته بذاته وبالعالم. في مدينة الثقافة الشاذلي القليبي، تجمّع المسرحيون والجمهور حول نفس الشغف: أن يظلّ المسرح حيّا.
وبحضور وزيرة الشؤون الثقافية أمينة الصرارفي، وأسماء بارزة من أهل الفن الرابع، احتضن مسرح أوبرا تونس بالشّراكة مع المسرح الوطني التونسي احتفالية مميّزة جمعت بين الفرجة والتكريم والتفكير في مستقبل المسرح. وانطلقت الفعالية من بهو مدينة الثقافة بعرض “كلاون” قبل أن ينتقل الحاضرون إلى قاعة الأوبرا في سهرة امتزج فيها الفن بالاعتراف.
فلحظة التكريم لم تكن مجرّد بروتوكول، بل كانت إعادة كتابة لذاكرة المسرح التونسي عبر وجوه صنعت الفارق: منيرة الزكراوي، فاتحة المهدوي، جمال المداني، الأسعد بن عبد الله، محمد مومن، حسن المؤذن، مليكة الهاشمي، علي الخميري، صباح بوزويتة، ومحمد الهادي بلخير أسماء لم تمرّ مرور الكرام، بل تركت أثرها في وجدان الركح على مدى أجيال.
وكانت اللحظة الأكثر رمزية حين اعتلى الركح الفنان الأسعد الجموسي ليتلو البيان العالمي للمسرح، الذي كتبه ويليام دافو وترجمه لطفي العربي السنوسي. بيان لم يهادن الواقع، بل وجّه نداء واضحا: أعيدوا للمسرح إنسانيته في زمن العزلة الرقمية. في عالم تهيمن عليه الشاشات، يظلّ اللقاء الحي بين الممثل والجمهور فعلا نادرا وربما ضروريا أكثر من أي وقت مضى.
ولأن المسرح ليس فقط كلمات، بل أيضا جسد وصوت، تخلّلت السهرة وصلات موسيقية، قبل أن تفسح الخشبة المجال لعرض “الهاربات” للمخرجة وفاء الطبوبي، العمل الذي تحوّل إلى ظاهرة مسرحية بعد تتويجه في مهرجان المسرح العربي وأيام قرطاج المسرحية. في هذا العمل، لا شيء يحدث… ومع ذلك يحدث كل شيء: انتظار، قلق، هروب، وأسئلة وجودية تعكس عالما يتآكل بصمت.
ولا يتوقّف الاحتفال عند ليلة واحدة، بل يمتدّ ضمن تظاهرة تونس مسارح العالم، التي حوّلت العاصمة إلى منصة مفتوحة لتجارب مسرحية من تونس والعالم. من “كولوتشي باو” القادمة من مالي بروح إفريقية نقدية، إلى “الليالي البيضاء” المستلهمة من فيودور دوستويفسكي، مرورا بأعمال تونسية مثل “جرس” و“9” و“جاكرندا”، وصولا إلى “الإنسان الأخير” من تركيا و“في بطن الحوت” الذي يغوص في مأساة الهجرة… تتقاطع العروض في سؤال واحد: ماذا يعني أن تكون إنسانا اليوم؟
ويحتفى باليوم العالمي للمسرح في السابع والعشرين من مارس من كل عام، وهو موعد أقرّ رسميا منذ سنة 1962 بمبادرة من المعهد الدولي للمسرح التي أطلقها سنة 1961 بهدف الترويج لفنّ المسرح وتعزيز الوعي بقيمته الإنسانية والثقافية. وقد اختير هذا التاريخ تزامنا مع افتتاح موسم 'مسرح الأمم' في باريس، ليصبح منذ ذلك الحين تقليدا سنويا تكتب فيه رسالة عالمية يوقّعها أحد أبرز رموز المسرح في العالم، تُتلى على الركح احتفاء بهذا الفن الحيّ ودوره في مدّ جسور الحوار بين الشعوب.


الواثق بالله شكير