هكذا قيّم النهضويون نهضتهم..
قدّمت حركة النهضة في بيان اليوم السبت 27 فيفري 2016 تشخيصا مفصلا وتقييما ذاتيا لتجربتها الحزبية منذ انطلاقتها في الثمانينات وصولا إلى فترة ما بعد الثورة، وأكدت من خلاله أنها لن تتوانى عن تقديم نقد ذاتي لتجربتها كلما سنحت الفرصة وخاصة في الوثيقة التي نشرتها عقب مؤتمر 1995 والتي تعرضت بالنقد لتجربتها وعبرت عن رغبتها في التطور نحو الأفضل وذلك تزامنا مع تحضيراتها لانعقاد مؤتمرها العاشر في أفريل القادم.
وفي حديثها عن مسارها العام، ذكرت حركة النهضة أنها كانت متأثرة بهموم الإصلاحيين الأوائل عند نشأتها، ولكنها كانت أكثر تأثرا بأدبيات المشرق مقارنة بعلاقتها بفكر رواد التجديد والإصلاح في تونس. وأدرجت تاريخها في مجمله من سنة 81 إلى حدود قيام ثورة الحرية والكرامة تحت عنوان 'النضال ضدّ الاستبداد'.
واعتبرت النهضة أنها أسهمت بحيويّة في تطوير الفكر الإسلامي وتجديده وبلورة أجوبة ومقاربات تجمع بين مقاصد الإسلام ومكاسب الحداثة، كما تميّزت الحركة بانفتاحها على مختلف المدارس الفكرية وبجهودها في دعم العمل السياسي المشترك بالبلاد وكان لها دور مهم في الحدّ من تغوّل السلطة وهيمنتها على المجتمع كما عمّقت الحركة وعيها بأهمية دور المجتمع المدني في التغيير.
المراجعة والتطوير..
ومن المسائل التي تبين للحركة ضرورة مراجعتها وتطويرها وتجديد نظرتها حسب نص البيان هو مزيد الانفتاح على المجتمع والاقتراب من همومه والتلاؤم مع خصوصيات الواقع التونسي وترسيخ جذور الحركة في المشروع الإصلاحي الوطني المعتز بانتماء تونس العربي الإسلامي والمنفتح على العصر.
إضافة إلى تجنب الشمولية في العمل التنظيمي ومراعاة التخصصات بين الجانب السياسي الحزبي وما سواه من مجالات العمل المدني وقد سبقت الحركة في الالتزام بالفصل بين النشاط المسجدي والعمل الحزبي قناعة منها بإخراج الفضاء الديني المشترك من دائرة التجاذب، حسب ما جاء في ذات المصدر.
واعتبرت في سياق متصل أنه مازال أمامها تحدي بناء التنظيم العصري القادر على الانفتاح على مختلف الفئات الشعبية والاجتماعية وخاصة الشباب والمرأة وهو ما يتطلب تجديدا هيكليا.
الحكم بعد الثورة..
وحول تجربتها في الحكم ما بعد الثورة، أشارت الحركة إلى انها واجهت استحقاق البناء من ناحية والفعل السياسي من ناحية أخرى، واستطاعت أن تستجيب لما تتطلّبه الساحة من حضور ميداني، محافظة في نفس الوقت على سياسة الترفق دون مغالبة الواقع.
وبعد دخولها تجربة الحكم، أقرت بأنها واجهت صنفان من السياقات والإكراهات، داخليّة تهمّ واقع الحركة والبلاد، وخارجيّة تشمل الواقع الإقليمي والدولي. وبشكل عام اصطدمت "النهضة" وهي في الحكم بأوضاع اجتماعية واقتصادية وأمنية صعبة ومعقدة وبموازين قوى داخلية وخارجية لم تكن في صالحها.
واعتبرت في بيانها أن هذه الصعوبات لم تمنعها من تحقيق بعض المكاسب من ذلك النجاح مع شركائها في إرساء دعائم دولة الحرية والتعددية وإفشال محاولات الانقلاب على المسار الديمقراطي، وإنجازات مقدرة على المستوى الاقتصادي وقدرة على التكيف مع المستجدات ودورها الكبير في سن دستور توافقي يثبت الهوية ويؤمن الحريات ويحقق الوحدة الوطنية.
الإخلالات..
وفي ما يتعلق بالاخلالات التي رافقت تجربتها في الحكم، كشفت الحركة أنها تتعلق بالأساس بقلة الخبرة في إدارة شؤون الدولة وعدم النجاح في بناء أوسع التحالفات لإنجاح المرحلة الانتقالية كما اختلت الأولويات بين إلحاحية المطالب الاجتماعية وضرورات الإسراع بإنهاء المرحلة الانتقالية وإنجاز الدستور.
وأكدت النهضة سعيها أن تكون حزبا معاصرا يوائم بين التحديث الإيجابي من جهة والتأصيل الثقافي من جهة أخرى، مما يقتضي العمل على تقديم رؤية جديدة للحداثة تجنب الوقوع في مأزق المحاكاة والتقليد والتبعية، وأن رؤيتها الفكرية على مجموعة من القيم والمبادئ مثل الحرية والكرامة والعمل والعدل والتسامح والشورى والتكافل والوسطية والإصلاح والأمانة.
المشروع السياسي
وحول مشروعها السياسي، أكدت الحركة أنه يمثل مقاربة جديدة في التموقع السياسي والانتخابي مبنية على قراءة تحليلية شاملة للمعطى الوطني والداخلي والدولي والتطورات المستجدة ويهدف إلى تموقع الحركة في الوسط المجتمعي العريض في إطار حزب ديمقراطي وطني اجتماعي ذي مرجعية إسلامية وتطمح إلى المشاركة في بناء ونهضة تونس الثورة والدستور، سياسيا واقتصاديا واجتماعيا وأمنيا وحضاريا وعلى مستوى الإشعاع الخارجي.
وأكدت أن الأهداف الرئيسية لمشروعها السياسي تتمثل في تثبيت الخيار الديمقراطي وتحقيق الإقلاع الاقتصادي في إطار العدالة الاجتماعية وتوفير الأمن الشامل المجتمعي والثقافي والمادي والعمل على اندماج آمن للتجربة التونسية في محيطها الإقليمي والدولي.
وفي مسألة المشاركة في الحكم، اعتبرت الحركة أن المشاركة في الحكم ومنهج التوافق والتحالف السياسي هو المنهج المناسب في مراحل الانتقال الديمقراطي على أن يكون التحالف على أرضية البرنامج الوطني الإصلاحي وأن يكون مع الأطراف الوطنية القابلة للحوار والعمل المشترك.
الإصلاح والمراجعات..
وأشارت النهضة مقابل ذلك إلى حاجتها إلى مواكبة تطلعات الإصلاح داخلها وفي مشروعها السياسي إلى إحداث تطوير هيكلي وتنظيمي يستجيب لعدد من المبادئ ويلبي عددا من الاحتياجات تتمحور بالأساس حول ترسيخ الديمقراطية ثقافة وممارسة بما ينعكس تطويرا على عمل الحزب وسلوكه التنظيمي والسياسي والمأسسة وامتلاك البنى الهيكلية المقننة القادرة على تحقيق الأهداف وتنفيذ المهام والقرارات.
وكشفت النهضة أن مجموع هذه المراجعات التي يتطلع إليها المؤتمر العام العاشر تهدف إلى الانتقال بتجربة الحزب إلى أفق يستجيب لتطلعات أبنائه وانتظارات عموم التونسيين والتونسيات في مجال الممارسة الحزبية الحديثة التي تقوم على الديمقراطية سلوكا، وعلى عمل الفريق إدارة، وعلى ثقافة المؤسسة إطارا، فتتهيأ بذلك للحزب مسالك استمرار أثره في الدولة وفي المجتمع إصلاحا وتنمية وينشأ فيه جيل يملك التفكير الاستراتيجي وروح الإبداع والوعي بالحاجة العالية للإنجاز والمبادرة.