بكين تحتضن الدورة العاشرة لمَهرجان الشباب الإفريقي-الصيني
لم يعد مهرجان الشباب الإفريقي-الصيني مجرد لقاء ثقافي، بل أصبح آلية تحفيزية لصناعة جيل جديد يؤمن بالمصير المشترك للشعبين، حيث انطلقت في بكين يوم 28 أكتوبر الدورة العاشرة للمهرجان، وتَتواصل إلى 4 نوفمبر، على اعتبار أنّه أبرز فعالية من فعاليات "عام التبادل الشعبي الصيني- الإفريقي" الذي يحتفل من خلال تنظيم 600 نشاط بالذكرى السبعين لانطلاق العلاقات الدبلوماسية بين الجانبين، في دورة رفعت شعار "عشر سنوات من الشباب نحقق الحلم معا، يدا بيد نحو المستقبل".
المهرجان الذي تنظمه وزارة الخارجية الصينية ومؤسسة الصين سونغ تشينغ لينغ، تأسس بقرار من قمة جوهانسبرغ 2015 لمنتدى التعاون الصيني-الإفريقي، وأدرج هذا العام ضمن قائمة الأنشطة الممتازة لعام 2026، ويشارك فيه 59 شابا وشابة من 53 دولة إفريقية، بينها تونس وليبيا والجزائر وموريتانيا والمغرب ومصر، وناميبيا وسيراليون ونيجيريا وبوركينا فاسو وسيشيل وليبيريا وجيبوتي وجنوب إفريقيا وموزمبيق وزيمبابوي والكونغو وتشاد، فضلا عن ضيوف من أصول افريقية من كندا.

من قاعة صغيرة في هايديان بدأ الحلم، هناك، في مركز الصين سونغ تشينغ لينغ للعلوم والثقافة حيث ولد المهرجان قبل عشر سنوات، وقف أمين عام منظمة "شباب قوة الكونغو الصاعدة" فاديم أوسداد مفوبا متحدثا باسم شباب القارة قائلا "على مدى عقود، من خلال الحوار السياسي والتعاون الاقتصادي والتبادل الثقافي، تم تعزيز العلاقات الإفريقية-الصينية باستمرار، ونتطلع الى مزيد التعاون المثمر للجانبين".
قول دعمته سفيرة أنغولا في بكين، الرئيس الدوري للاتحاد الإفريقي، دالفا ألين، في كلمتها قائلة "رغم بعد المسافة واختلاف اللغات، نشترك في السعي للازدهار والسلام.. والمهرجان وفر منصة مهمة للحوار بين الحضارات".
أما رئيسة مؤسسة سونغ تشينغ لينغ للعلوم والثقافة، لي بين، فأكدت أن المهرجان "أصبح منذ 2016 منصة مهمة لتعميق الصداقة"، داعية الشباب إلى "مواكبة الاتجاه العالمي وتعزيز الثقة المتبادلة"، فيما رسم نائب وزير الخارجية الصيني مياو دي يو خارطة طريق الجيل الجديد بقوله "نأمل أن يصبح الشباب شركاء بتطلعات مشتركة في السعي للتحديث، ورفاقا يعززون الحوار بين الحضارات، وروادا يدفعون المبادرات العالمية لبناء مجتمع المصير المشترك"، مذكرا بالامتيازات الجبائية "الصفرية" التي منحتها بلاده لواردات الصين من السلع الافريقية المنتجة والمصدرة من قبل للبلدان التي تربطها بها علاقات دبلوماسية دون سواها، والتي انطلق العمل بها رسميا في غرة ماي الماضي.

من قاعة التشاور إلى كهف الثورة
وعمد البرنامج الرسمي للمهرجان الى كسر الصورة النمطية للمهرجانات، من خلال رسم مسار سياسي-ثقافي للفعاليات في بيكين، ومسار ثان تاريخي- تكنولوجي في شنشي ويانآن.
ففي بكين، دخل الوفد الإفريقي مقر المؤتمر الاستشاري السياسي للشعب الصيني ليفهم نموذج "الديمقراطية التشاورية" حيث يتشاور الحزب الشيوعي مع 8 أحزاب أخرى، قبل أن ينتقل إلى ورشات حية في أوبرا بكين ومراسم الشاي ورسم البورسلان الأزرق-الأبيض.
لكن المحطة المركزية كانت متحف تاريخ الحزب الشيوعي الصيني، المبني على شكل حرف "工" رمز العمال ( ينطق في الصين gōng ومعناه الأساسي، العمل، الشغل، العامل، الحرفة وهو أحد أقدم الحروف في اللغة الصينية، شكله من الأعلى يشبه أداة النجار المربعة، ومنه جاء معنى العمل اليدوي)، بمساحة 147 ألف متر مربع في حديقة الأولمبياد، يضم 3500 قطعة و2600 صورة تروي قرنا كاملا في أربعة فصول، اولها فصل التأسيس 1921 - 1949 بأول ترجمة للبيان الشيوعي وطاولة المؤتمر الأول بـ13 مندوبا، وفصل البناء 1949 - 1978 بملابس إعلان الجمهورية وأول قنبلة ذرية، وفصل الإصلاح 1978 - 2012 بمسودة دنغ شياو بينغ "تحرير الفكر"، وفصل النهضة منذ 2012 بجناح القضاء على الفقر الذي يوثق خروج ملايين البشر من الفقر.
وبهذه المناسبة يضيف المتحف معرضين خاصين بمناسبة 90 سنة على المسيرة الطويلة بعرض 230 وثيقة أرشيفية تنشر لأول مرة كبرقيات الانسحاب من رويجين، و273 قطعة ميدانية كحذاء المسامير ونصف حزام جلدي أكله الجنود في الغابات والمراعي من وطأة المجاعة، قال المنظمون ان الرسالة من ذلك "أن يفهم الشباب الإفريقي الصين والحزب والشعب بعمق أكبر".

ومن بكين إلى شنشي، انتقل الوفد إلى متحف يانآن الثوري ومتحف جيش التيراكوتا ومراكز تكنولوجية، ليكتشف كيف حكمت الصين من كهوف ياودونغ المحفورة في الجبل قبل أن تدخل المدينة المحرمة.
من خزف عمره 1300 سنة إلى صناعة متطورة صديقة للبيئة
في تشانغشا، تبدأ الحكاية الثانية للمهرجان. في متحف فرن تونغقوان للخزف، وقف الشباب الافريقي أمام قطع عمرها 1300 سنة منقوشة بالعربية، انتشلت من سفينة "بليتونغ" الغارقة عام 830م قرب إندونيسيا وكانت تحمل 60 ألف قطعة على طريق الحرير البحري، وأعيد بناء السفينة بحجمها الحقيقي داخل المتحف.
هذه المتاحف تثمن مبدأ "الاعتماد على النفس" الذي هو نفسه مبدأ مصنع BYD الذي زاره الشباب الافريقي في شيان، الذي تحول من مصنع بطاريات الهاتف الجوال بـ20 عاملا عام 1995 إلى أول شركة سيارات كهربائية في العالم بـ900 ألف عامل وبطارية Blade لا تحترق حتى لو ثقبت بمسمار.
فمن من متحف الحزب الذي يروي كيف نهضت الصين، من 50 عضوا بالحزب إلى 100 مليون يقودون 1.4 مليار نسمة، إلى فرن الخزف الذي يروي كيف أبحرت الصناعة قبل 1200 سنة، إلى مختبر صناعة السيارات بالطاقات النظيفة، يكتشفع الشباب المشارك في هذه الدورة ان الصداقة بين الشعبين الافريقي والصيني، ليست شعارا عابرا، بل مسار تعلم متبادل، يجسد التزام هيئة تنظيم المهرجان بتنفيذ رسالة الرئيس الصيني شي جين بينغ التي مفادها ان "الشباب هم أمل العلاقات ومستقبل الصداقة".
من الصين الحبيب وذان