بالأرقام.. إيران القوة الكامنة في قلب الطاقة والمعادن الثمينة
في عالم تتزايد فيه أهمية أمن الطاقة، تبرز إيران كواحدة من أكثر الدول امتلاكا للموارد الهيدروكربونية، حيث تجمع بين احتياطيات ضخمة من النفط والغاز تجعلها لاعبًا محوريًا في السوق العالمية، رغم أن تأثيرها الفعلي لا يعكس دائمًا هذا الثقل.
فبحسب بيانات الموقع العالمي المتخصص في البيانات 'Worldometer' ، تمتلك إيران نحو 208.6 مليار برميل من الاحتياطي النفطي المؤكد، ما يضعها في المرتبة الثالثة عالميًا بعد فنزويلا والسعودية، بحصة تقارب 11.8% من الإجمالي العالمي.
التأثير في أسواق الطاقة
هذا الحجم الضخم من الموارد يمنح طهران نظريًا قدرة هائلة على التأثير في أسواق الطاقة، خاصة في ظل التقلبات المستمرة التي يشهدها قطاع النفط.
ورغم هذه الثروة، فإن الإنتاج النفطي الإيراني، الذي يدور حول 4.5 إلى 4.6 مليون برميل يوميًا، لا يعكس كامل الإمكانات المتاحة، إذ تعيق العقوبات الاقتصادية المفروضة منذ سنوات قدرة البلاد على جذب الاستثمارات الأجنبية وتحديث بنيتها التحتية النفطية، وفقا لمنظمة الدول المصدرة للنفط (أوبك).
هذا الواقع جعل قطاع الطاقة الإيراني يعمل دون طاقته القصوى، في وقت تتنافس فيه دول أخرى على زيادة حصصها السوقية مستفيدة من انفتاح أكبر على التكنولوجيا ورؤوس الأموال.
ولا يقتصر ثقل إيران الطاقي على النفط، بل يتعزز بشكل أكبر في قطاع الغاز الطبيعي، حيث تشير بيانات رويترز إلى أن إيران تمتلك أكثر من 33 تريليون متر مكعب من الغاز، ما يجعلها الثانية عالميًا بعد روسيا.
وقد عززت طهران هذه المكانة بإعلانها عن اكتشافات جديدة أضافت كميات معتبرة إلى احتياطياتها، في مؤشر على استمرار الإمكانات غير المستغلة في باطن أراضيها.
غير أن هذه الوفرة الغازية تصطدم بتحديات داخلية معقدة، إذ يستهلك السوق المحلي جزءًا كبيرًا من الإنتاج نتيجة الدعم الحكومي الواسع للطاقة وارتفاع الطلب، خاصة خلال فصل الشتاء، ما يؤدي أحيانًا إلى عجز في الإمدادات رغم وفرة الاحتياطي.
كما تعاني البلاد من مشكلات تقنية، مثل حرق كميات من الغاز المصاحب بسبب نقص البنية التحتية، وهو ما يقلل من الكفاءة الاقتصادية لهذا القطاع الحيوي.
عائدات إيران من قطاع الطاقة
وعلى صعيد العائدات، تكشف التقديرات أن مداخيل إيران من قطاع الطاقة في عام 2025 بقيت كبيرة لكنها متذبذبة. إذ تشير تقديرات حديثة إلى أن عائدات صادرات النفط وحدها تراوحت بين 30 و60 مليار دولار خلال العام، بحسب بيانات منشورة في إيران خلال فيفري 2026 ، في حين تُظهر تقديرات أخرى مرتبطة بالموازنة الإيرانية أن إجمالي عائدات النفط ومكثفاته قد تصل إلى نحو 69 مليار دولار سنويًا عند احتساب سيناريوهات إنتاج أعلى.
أما عائدات الغاز، فتظل أقل بكثير من الإمكانات بسبب محدودية التصدير واعتماد البلاد الكبير على الاستهلاك الداخلي، ما يجعل الجزء الأكبر من الثروة الغازية غير مُحوَّل إلى تدفقات نقدية خارجية.
وتكمن المفارقة في أن إيران، التي تُصنّف ضمن أكبر ثلاث دول عالميًا من حيث إجمالي الموارد النفطية والغازية، لا تترجم هذه الثروة إلى نفوذ اقتصادي متناسب، إذ تبقى صادراتها مقيدة بعوامل سياسية وجيوسياسية، في مقدمتها العقوبات الغربية والتوترات الإقليمية.
ووفقا لتقديرات صندوق النقد الدولي فإن العقوبات تكلف الاقتصاد الإيراني نحو 10–15 مليار دولار سنويًا في تجارة السلع والخدمات، أما مجموع الخسائر المباشرة وغير المباشرة نتيجة العقوبات يقدر بـ حوالي 30–50 مليار دولار سنويًا، وهو ما يمثل نحو 10–15% من الناتج المحلي الإجمالي لإيران.
هذا الوضع يجعل اقتصادها عرضة للتقلبات، ويحد من قدرتها على لعب دور أكبر في تأمين إمدادات الطاقة العالمية، رغم موقعها الاستراتيجي في منطقة الخليج.
ثروة المعادن النفيسة
ولا تقتصر ثروة إيران على النفط والغاز، بل تمتد إلى قطاع المعادن الذي يُعد من بين الأغنى في المنطقة، حيث تشير تقديرات رسمية إلى أن البلاد تمتلك احتياطيات معدنية تُقدَّر قيمتها بمئات المليارات من الدولارات.
وتضم هذه الثروة أكثر من 60 نوعًا من المعادن، من بينها الذهب والنحاس والحديد والزنك، إضافة إلى معادن نادرة واستراتيجية تُستخدم في الصناعات المتقدمة. وتُعد إيران من أبرز الدول في احتياطي النحاس، خصوصًا في مناجم مثل سونغون وسرشمه، كما تمتلك احتياطيات معتبرة من الذهب يجري تطويرها تدريجيًا.
كما تحتوي أراضيها على عناصر نادرة مثل الموليبدينوم والتيتانيوم، وهي مواد أساسية في صناعات التكنولوجيا والطاقة.
وبحسب بيانات هيئة المسح الجيولوجي الإيرانية، فإن جزءًا كبيرًا من هذه الموارد لا يزال غير مستغل بالكامل، ما يمنح إيران إمكانات إضافية لتنويع اقتصادها بعيدًا عن الاعتماد شبه الكلي على النفط، في حال توفرت الاستثمارات والتقنيات اللازمة لتطوير هذا القطاع.
تكشف الأرقام أن إيران ليست مجرد دولة غنية بالطاقة والمعادن الثمينة، بل هي قوة كامنة تمتلك مقومات التأثير العالمي، غير أن هذا التأثير يظل مشروطًا بتغيرات سياسية واقتصادية قد تعيد رسم دورها في السوق الدولية.
* صلاح الدين كريمي