languageFrançais

أيّ تداعيات لاضطرابات الشرق الأوسط على الاقتصاد التونسي؟

تواجه تونس ضغوطًا اقتصادية متزايدة بفعل اضطرابات الشرق الأوسط وما تثيره من تقلبات في أسواق الطاقة والنقل البحري وسلاسل التوريد، في وقت يتسع فيه العجز التجاري وتتزايد أعباء المالية العمومية، بما يهدد بمزيد من الضغوط على القدرة الشرائية للمواطنين.

وتكشف بيانات المعهد الوطني للإحصاء أن الواردات التونسية بلغت نحو 71.397 مليار دينار خلال الأشهر التسعة الأولى من سنة 2026، مقابل صادرات في حدود 50.4 مليار دينار، ليتجاوز العجز التجاري 20.9 مليار دينار، مقارنة بـ16.7 مليار دينار خلال الفترة نفسها من سنة 2025. 

كما تراجعت نسبة تغطية الواردات بالصادرات إلى 70.6%، مقابل 73.5% قبل عام.

العجز التجاري الإجمالي

ويبرز قطاع الطاقة باعتباره أحد أبرز مصادر الاختلال، إذ ارتفعت قيمة وارداته بنسبة 32%، فيما بلغ العجز التجاري الطاقي 10.480 مليارات دينار، مقابل 8.106 مليارات دينار خلال الفترة ذاتها من السنة الماضية، أي ما يقارب نصف العجز التجاري الإجمالي.

ويجعل هذا الاعتماد على الطاقة المستوردة الاقتصاد التونسي أكثر عرضة لتقلبات الأسعار العالمية، خاصة في ظل التوترات التي تهدد حركة الملاحة في المنطقة، ولا سيما مضيق هرمز. ولا تقتصر التداعيات المحتملة على فاتورة المحروقات، بل تمتد إلى كلفة إنتاج الكهرباء والنقل والخدمات، فضلًا عن تأثيرها في المؤسسات الصناعية والتجارية.

وتزيد تكاليف الشحن والتأمين البحري من الضغوط على الواردات. فقد سجل مهنيون في قطاع النقل واللوجستيك خلال جوان 2026 زيادات في كلفة الحاويات تراوحت بين 900 و1400 دولار للحاوية ذات 20 قدمًا، وبين 1800 و2800 دولار للحاوية ذات 40 قدمًا. وقد تضطر المؤسسات إلى امتصاص هذه الزيادات على حساب أرباحها أو تمريرها إلى أسعار البيع، بما يرفع كلفة الإنتاج والتوزيع.

وتنعكس هذه التطورات كذلك على ميزانية الدولة، إذ بلغت نفقات دعم المحروقات 2.427 مليار دينار خلال النصف الأول من سنة 2026، متجاوزة نفقات الاستثمار المقدرة بنحو 1.665 مليار دينار. كما ارتفعت نفقات الدعم بمختلف أصنافها بنسبة 12% إلى 3.486 مليارات دينار.

وكانت فرضيات ميزانية 2026 قد اعتمدت معدل سعر نفط في حدود 63.3 دولارًا للبرميل، ما يجعل استمرار الأسعار فوق هذا المستوى عامل ضغط إضافيًا على المالية العمومية، تبعًا لحجم الواردات وسعر صرف الدينار وآليات التسعير والدعم.

وتتزامن هذه الضغوط مع تراجع المؤشرات الخارجية، إذ بلغ عجز الحساب الجاري 4.694 مليارات دينار خلال الأشهر الثمانية الأولى من السنة، مقابل 2.724 مليار دينار خلال الفترة نفسها من 2025. كما بلغت الموجودات الصافية من العملة الأجنبية 23.7 مليار دينار في 6 أكتوبر، بما يعادل 92 يومًا من التوريد، مقابل 104 أيام قبل عام.

العرض والطلب وكلفة التوزيع

أما على مستوى القدرة الشرائية، فقد بلغ التضخم 5.6% في سبتمبر 2026، مقابل 5.4% في أوت، فيما ارتفعت أسعار التغذية والمشروبات بنسبة 8.4% على أساس سنوي. وسجلت أسعار الدواجن زيادة بـ16.5%، والغلال الطازجة بـ16.3%، ولحوم الضأن بـ14.6%، واللحوم البقرية بـ13%، والخضر الطازجة بـ12.9%.

ورغم أن هذه الزيادات ترتبط أيضًا بعوامل محلية تتصل بالإنتاج والعرض والطلب وكلفة التوزيع، فإن ارتفاع أسعار الطاقة والشحن قد يفاقمها عبر النقل والتبريد والتصنيع وتوريد المواد الأولية. كما أن تباطؤ التضخم لا يعني انخفاض الأسعار، بل تراجع وتيرة ارتفاعها.

وتكشف المؤشرات أن اضطرابات الشرق الأوسط لا تفسر وحدها الصعوبات الاقتصادية التونسية، لكنها قد تضاعف اختلالات قائمة، خصوصًا في الطاقة والتجارة الخارجية. ويظل الحد من هذه المخاطر مرتبطًا بتنويع مصادر الطاقة، وتسريع الاستثمار في الطاقات المتجددة، وتحسين منظومة النقل واللوجستيك، إلى جانب حماية القدرة الشرائية للفئات الأكثر تضررًا دون تعميق عجز الميزانية.

 

صلاح الدين كريمي