تحويلات المغتربين.. شريان مالي يحتاج التثمين ليكون رافعة للاستثمار
يمثّل حجم هذه الأموال في أكثر من 60 دولة 3 بالمائة على الأقل من الناتج المحلي الإجمالي، ويتجاوز 25 بالمائة في بعض الاقتصادات الصغيرة
تمثل تحويلات المقيمين في الخارج أحد أهم مصادر العملة الأجنبية لعدد كبير من دول العالم خاصة البلدان متوسّطة ومنخفضة الدخل. ولاتقتصر أهميتها على دعم مداخيل الأسر، بل إنّها تمثّل دعما إقتصاديا لتلك الدول من حيث تعزيز احتياطي النقد الأجنبي وتمويل الواردات ودعم استقرار الموازنات الخارجية. وترتبط قيمة هذه التحويلات بشكل أساسي بحجم الجاليات المقيمة بالخارج لهذه الدول وقدرتها على استقطاب مدخراتها عبر القنوات الرسمية.
وتستفيد دول شمال إفريقيا، غير النفطية خاصة، من تحويلات مواطنيها المقيمين بالخارج. وتشكّل تلك التحويلات أبرز مصادر العملة الصعبة إلى جانب القطاع السياحي.
تونس
وتستفيد تونس من تحويلات مواطنيها المقيمين بالخارج البالغ عددهم أكثر من 1.8 مليون شخص وفق ديوان التونسيين بالخارج، حيث بلغت تحويلاتهم 4.745 مليار دينار (1.6 مليار دينار) إلى حدود 10 جويلية 2026، بزيادة قدرها 230.1 مليون دينار مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي.
وعلى امتداد سنة 2025، ارتفعت تحويلات التونسيين بالخارج إلى 8.7616 مليار دينار أي بزيادة تقارب 6 بالمائة مقارنة بـ 2024.
وتمثل هذه التدفقات، إلى جانب العائدات السياحية، أحد أبرز مصادر العملة الأجنبية، وتساهم في دعم احتياطي النقد الأجنبي واستقرار سوق الصرف.
وتعادل تحويلات التونسيين بالخارج ما بين 5.6 و6.3 بالمائة الناتج المحلي الخام، وتغطي هذه التحويلات 30 بالمائة من احتياطي النقد الأجنبي.
120 دولارا شهريا متوسّط تحويل التونسيين المقيمين بالخارج
ويساهم المغتربون التونسيون بمتوسّط تحويلات يناهز 120 دولارا شهريا للفرد الواحد، في حين يصل المستوى العالمي إلى 200 دولار، وفقا لأرقام قدّمها محافظ البنك المركزي التونسي فتحي زهير النوري خلال ورشة دولية حول "مساهمة الجاليات في دفع الاستثمار وتحقيق التنمية المستدامة" انعقدت في ماي 2025.
وأشار النوري إلى أنّ نسبة هامة من هذه الأموال تذهب إلى الاستهلاك، في حين تقتضي الحاجة ادماجها بفعالية في الاقتصاد الوطني في شكل مشاريع استثمارية تعود بالنفع على الاقتصاد الوطني.
وعرفت تحويلات التونسيين بالخارج خلال السنوات الأخيرة نسقا تصاعديا، ويفسّر عدد من الخبراء هذا الارتفاع في جانب منه إلى تغيّر التركيبة المهنية للتونسيين بالخارج. فبعد أن كاد يغلب عليها فئة العمال والحرفيين شهد عدد التونسيين بالخارج من الإطارات العليا والمهن ذات الأجور المرتفعة (مهندسون، أطباء، إطارات عليا...وغيرهم) ازديادا ملحوظا.
وتتميّز هذه الفئة من المهنيين بأجورها المرتفعة، وبالتالي بقدرتها على تحويل مبالغ مالية هامة مقارنة بالفئات الأخرى من العملة.
المغرب
وفي المغرب، بلغت تحويلات المغاربة المقيمين بالخارج نحو 61.48 مليار درهم (6.6 مليار دولار)، خلال النصف الأول من سنة 2026، مقابل 55.954 مليار درهم خلال الفترة نفسها من 2025، بزيادة سنوية بلغت 9.9 بالمائة.
ويُقدّر عدد المغاربة المقيمين بالخارج بأكثر من 5.7 ملايين شخص يعيش أغلبهم في أوروبا، وفق المعطيات الرسمية المغربية.
وتؤكد هذه التدفقات الدور المتزايد للجالية المغربية في اقتصاد بلادها، إذ تجاوزت تحويلات المغاربة بالخارج 122 مليار درهم (13.13 مليار ولار) خلال كامل سنة 2025، بحسب البوابة الرسمية المكلفة بشؤون مغاربة العالم. كما يبرز في المغرب توجه نحو تحويل جزء أكبر من هذه الأموال من الاستهلاك إلى الاستثمار.
مصر
وفي مصر أفاد البنك المركزي المصري بأن تحويلات المصريين العاملين بالخارج ارتفعت بنسبة 31.2 بالمائة خلال الفترة الممتدة من جويلية 2025 إلى ماي 2026، لتبلغ نحو 43.1 مليار دولار، مقابل 32.8 مليار دولار خلال الفترة نفسها من العام السابق.
و تشير بيانات البنك الدولي إلى أن تحويلات المصريين بالخارج إلى مصر بلغت نحو 41.5 مليار دولار في 2025.
و بـ 14 مليون شخص، يمثّل المصريون أكبر جالية في الخارج بين دول المنطقة، وتُعد تحويلاتهم مصدرا رئيسيا للعملة الصعبة إلى جانب عائدات السياحة ومداخيل قناة السويس.
وتأتي الجزائر في موقع مختلف، فرغم وجود جالية كبيرة تُقدّر بنحو 7 ملايين جزائري في الخارج، بينهم نحو 5 ملايين في فرنسا، وفق معطيات رسمية جزائرية، فإن التحويلات الرسمية تظل محدودة مقارنة بجيرانها.
وتشير المعطيات المتاحة إلى تحويل نحو 1.94 مليار دولار خلال 2024، بما يعادل قرابة 0.8 بالمائة من الناتج المحلي الإجمالي، وهو مستوى أقل بكثير من المغرب وتونس ومصر.
ترتيب الدول العربية من حيث قيمة تحويلات المغتربين (أرقام 2024)
مصر: 29.7 مليار دولار
المغرب: 13.1 مليار دولار
لبنان: 5.8 مليار دولار
الأردن: 4.8 مليار دولار
اليمن: 3.8 مليار دولار
تونس:2.9 مليار دولار
الجزائر : 1.94 مليار دولار
قطر: 1.5 مليار دولار
السودان: 1 مليار دولار
العراق: 879 مليون دولار
وعلى المستوى العالمي، تكشف أرقام البنك الدولي الوزن المتزايد لهذه التدفقات. فقد بلغت التحويلات المسجلة إلى البلدان منخفضة ومتوسطة الدخل نحو 685 مليار دولار في 2024، متجاوزة الاستثمارات الأجنبية المباشرة والمساعدات الإنمائية مجتمعة.
وتصدرت الهند قائمة أكبر الدول المستقبلة للتحويلات في 2024 بنحو 129 مليار دولار، تلتها المكسيك بـ68 مليارا، والصين بـ48 مليارا، والفلبين بـ40 مليارا، وباكستان بـ33 مليارا.
• تقرير من إعداد: شكري اللّجمي
________
تمّ إعداد هذا التقرير استنادا إلى أرقام البنك الدولي ومعطيات من الصحافة المحلية