قواعد تعليب جديدة في أوروبا.. هل تواكبها الصناعة التونسية؟
تدخل اللائحة الأوروبية الجديدة المتعلقة بمواد التغليف ونفاياتها، المعروفة اختصاراً بـPPWR، حيز التطبيق ابتداءً من 12 أوت 2026، في خطوة ستفرض على المؤسسات التي تطرح منتجاتها في السوق الأوروبية مراجعة جزء من منظومات التغليف والتعليب، بما في ذلك المنتجات الموردة من خارج الاتحاد الأوروبي.
وتأتي هذه التطورات في وقت تمثل فيه السوق الأوروبية الوجهة الأولى للصادرات التونسية، ما يجعل أي تغيير في القواعد الفنية والبيئية الأوروبية ذا أهمية مباشرة للاقتصاد التونسي وقدرة المؤسسات على النفاذ إلى السوق الأوروبية.
ما الذي سيتغير بداية من 12 أوت؟
اللائحة الأوروبية UE 2025/40 دخلت حيز النفاذ منذ 11 فيفري 2025، على أن يبدأ تطبيقها العام في 12 أوت 2026. وتشمل مواد التغليف بمختلف أنواعها ونفاياتها، وتضع متطلبات تتعلق بتصنيع التغليف وتركيبته وقابليته لإعادة الاستخدام أو الاسترجاع وإعادة التدوير.
ومن أبرز الأهداف الجديدة، الحد من كمية مواد التغليف والنفايات الناتجة عنها، تقليص استخدام المواد الأولية، تعزيز استعمال المواد المعاد تدويرها، وتحسين قابلية التغليف لإعادة التدوير.
كما تتضمن اللائحة قيوداً على بعض المواد الكيميائية، ومن بينها PFAS في مواد التغليف الملامسة للمواد الغذائية، وهو إجراء يبدأ تطبيقه ضمن القواعد التي تدخل حيز التنفيذ في 12 أوت الجاري.
وفي المقابل، فإن بعض المتطلبات لا تدخل حيز التنفيذ فوراً. فمتطلبات التصميم بهدف إعادة التدوير ونسب معينة من المحتوى البلاستيكي المعاد تدويره ستتبلور أساساً بداية من 2030، فيما تدخل بعض متطلبات الوسم الموحد حيز التطبيق في مراحل لاحقة.
المصدرون مطالبون بالتثبت من مواد التعليب
دعت الإدارة العامة للمصالح البيطرية المؤسسات التونسية المصدرة نحو أسواق الاتحاد الأوروبي إلى الإسراع في ملاءمة نظم التغليف والتعليب مع أحكام اللائحة الأوروبية الجديدة.
وتشمل الدعوة، بالخصوص، التثبت من مطابقة مواد التعليب المستعملة للمتطلبات الصحية والبيئية الأوروبية، والحصول من المزودين على التصاريح والوثائق الفنية المحيّنة التي تثبت المطابقة، مع إعداد خطط عمل للتكيف التدريجي مع الشروط الجديدة.
وحذرت الإدارة من أن عدم الاستعداد يمكن أن يؤدي إلى تعطيلات لوجستية أو رفض شحنات عند نقاط المراقبة والفرز الأوروبية، وهو ما يكتسي أهمية خاصة بالنسبة للقطاعات التي تعتمد بدرجة كبيرة على التعليب قبل التصدير، وفي مقدمتها المنتجات الغذائية والصيد البحري.
ما حجم الرهان التونسي على السوق الأوروبية؟
تكشف أرقام المعهد الوطني للإحصاء حجم الاعتماد التونسي على السوق الأوروبية. فخلال الأشهر الخمسة الأولى من سنة 2026، بلغت قيمة الصادرات التونسية نحو الاتحاد الأوروبي حوالي 20.13 مليار دينار، أي ما يمثل 71.5% من إجمالي الصادرات التونسية، مقابل 18.87 مليار دينار خلال الفترة نفسها من سنة 2025.
أما خلال كامل سنة 2025، فقد بلغت الصادرات التونسية نحو الاتحاد الأوروبي 44.53 مليار دينار، مقابل 42.86 مليار دينار سنة 2024، أي بزيادة تقارب 1.67 مليار دينار، فيما مثلت السوق الأوروبية 69.9% من إجمالي الصادرات التونسية.
وتؤكد هذه الأرقام أن أوروبا ليست مجرد سوق مهمة للصادرات التونسية، بل تمثل العمود الفقري لها، وهو ما يجعل مواكبة التشريعات الأوروبية مسألة مرتبطة مباشرة باستمرارية النفاذ إلى السوق وليس فقط بالامتثال البيئي.
هل ستتراجع قيمة الصادرات التونسية؟
في الوقت الحالي، معطيات رسمية تسمح بتقدير نسبة محددة لتراجع الصادرات التونسية بسبب لائحة التعليب الجديدة، لكن التأثير الاقتصادي المحتمل يمكن أن يظهر عبر عدة قنوات.
أولاً، ارتفاع كلفة الإنتاج والتعليب، فالمؤسسات التي ستضطر إلى تغيير مواد التغليف أو اعتماد مواد أكثر قابلية لإعادة التدوير أو إجراء اختبارات إضافية ستتحمل تكاليف جديدة.
بالإضافة إلى ارتفاع كلفة المطابقة والوثائق، حيث سيكون المصدر مطالباً بالتأكد من خصائص مواد التعليب والحصول على وثائق وتصاريح من المزودين، وهو ما يعني تكاليف إدارية وفنية إضافية، خاصة للمؤسسات الصغيرة.
كما أن مخاطر التأخير اللوجستي، والمتمثل في عدم مطابقة التعليب يمكن أن يؤدي إلى تعطيل الشحنات أو إخضاعها لمراقبة إضافية، بما قد يرفع تكلفة النقل والتخزين ويؤثر في آجال التسليم. إضافة إلى احتمال انتقال جزء من الكلفة إلى سعر المنتج، فإذا ارتفعت تكلفة التعليب دون أن يتمكن المصدر من تحميلها للمشتري الأوروبي، فإن هامش ربح المؤسسة قد يتقلص.
وإذا تم تحميلها على السعر، فقد تتأثر تنافسية المنتج التونسي أمام موردين آخرين، لكن في المقابل، لا ينبغي النظر إلى القواعد الجديدة باعتبارها تهديداً فقط. فالتكيف المبكر يمكن أن يتحول إلى عنصر تنافسي، خصوصاً مع تزايد اهتمام المشترين الأوروبيين بالمنتجات المستدامة وسلاسل التوريد الأقل أثراً على البيئة.
هل الصناعة التونسية جاهزة؟
توجد في تونس بالفعل مؤسسات وهياكل مختصة في مجال التعليب والتغليف، ما يوفر قاعدة يمكن البناء عليها.
ويؤكد تنظيم Tunisia Star Pack 2026، الذي يشرف عليه المركز الفني للتعبئة والتغليف PACKTEC، استمرار الاهتمام التونسي بالابتكار وجودة التغليف والتنافسية، في وقت تتزايد فيه متطلبات الأسواق الدولية والاستدامة.
كما أن تونس تملك تجربة طويلة في التصدير نحو الأسواق الأوروبية، ما يعني أن جزءاً من المؤسسات المصدرة معتادة أصلاً على احترام المعايير الفنية والصحية الأوروبية.
لكن التحدي الأكبر قد يكون لدى المؤسسات التي لا تزال تعتمد على مواد تعليب تقليدية أو لا تملك أنظمة دقيقة لتتبع مكونات التغليف والوثائق الفنية الخاصة بها.
وتزداد أهمية هذا الجانب في ظل تعقيد اللائحة نفسها؛ إذ طلبت Eurochambres في جويلية 2026 تأجيل تطبيقها لمدة عامين على الأقل، معتبرة أن المؤسسات الصغيرة تواجه صعوبات بسبب تعقيد المتطلبات وارتفاع تكاليف الامتثال، إضافة إلى عدم اكتمال بعض النصوص التطبيقية.
أوروبا سوق بقيمة عشرات المليارات
وتظهر أحدث أرقام المعهد الوطني للإحصاء أن الصادرات التونسية نحو الاتحاد الأوروبي بلغت 20.13 مليار دينار في خمسة أشهر فقط من 2026، مقابل 44.53 مليار دينار لكامل سنة 2025.
كما تؤكد المفوضية الأوروبية أن الاتحاد الأوروبي استأثر بـ73.2% من صادرات تونس سنة 2025 وفق بياناتها التجارية، بينما بلغت واردات الاتحاد من تونس 13.4 مليار يورو، وتتركز أساساً في الآلات والتجهيزات والنسيج والملابس.
وبالتالي، فإن أي عائق جديد أمام النفاذ إلى السوق الأوروبية يمكن أن تكون له انعكاسات تتجاوز قطاع التعليب نفسه لتطال القدرة التنافسية لعدد واسع من الصناعات التونسية.
وفي ظل اعتماد تونس الكبير على السوق الأوروبية، فإن التأخر في مواكبة هذه المتطلبات قد يتحول من مسألة بيئية وتقنية إلى مسألة تجارية وتنافسية تمس أحد أهم مصادر العملة الصعبة في الاقتصاد التونسي.
صلاح الدين كريمي