معهد رؤساء المؤسسات: فوارق الأجور والقدرة الشرائية تفرض إصلاحات هيكيلة
أصبحت القدرة الشرائية مصدر قلق اجتماعي واقتصادي كبير في تونس، حسب دراسة للمعهد العربي لرؤساء المؤسسات صادرة مؤخرا والتي أشار فيها إلى أن بعض المؤشرات الاقتصادية الكلية، وسيما الناتج المحلي الإجمالي تبين أن البلاد على أعتاب الإلتحاق بمصاف الدول ذات الدخل المتوسط الأعلى إلا أن الواقع اليومي للأسر مختلف تماماً حيث تتزايد الضغوط على الميزانية العائلية مع صعوبة متنامية في تغطية النفقات الأساسية، وشعور مستمر بالفقر.
ويقترح المعهد العربي لرؤساء المؤسسات تجاوز الأرقام الإجمالية لوضع تحليل دقيق وواضح للديناميكيات الحقيقية التي تُشكّل مستوى معيشة التونسيين واقتراح الحلول العملية لتحسين ما يمكن من هذه الوضعية.
وبين المعهد العربي لرؤساء المؤسسات أن مستويات الدخل شهدت نموا نسبيا ولكن يقابلها تآكل حقيقي بسبب ما يثقل كاهل الدخل المتاح للأسر من أعباء الرسوم الإلزامية، والضرائب الخارجية، و التضخم المستمر الذي فاق مستوى نمو الأجور منذ عام 2022 ما أدى إلى تسجيل انخفاض في متوسط دخل الفرد الحقيقي يُقدّر بنحو 8% خلال الفترة 2018-2024.
ارتفاع نفقات الأسر الخاصة بالأكل والسكن والصحة
وفي سياق متصل، بينت الدراسة أنه في مجال الإنفاق الاستهلاكي تم الكشف عن تراجع في مستويات المعيشة حيث ترتفع الحصة المخصصة لنفقات الغذاء مع استحواذ تكاليف السكن والرعاية الصحية على جزء كبير من ميزانيات الأسر مايؤدي إلى انخفاض المرونة المالية للعائلات .
وفي مايتعلق بالادخار والديون فقد انخفضت قدرة الأسر على الادخار انخفاضًا حادًا، تراجع من 8.6% في عام 2021 إلى 2.5% في عام 2024 وهذا التراجع يحدّ من قدرة الاقتصاد على الصمود في وجه الصدمات الاقتصادية، ويؤدي حتمًا إلى زيادة الاقتراض للحفاظ على مستويات الاستهلاك.
وخلص المعهد ضمن الدراسة إلى تسجيل انخفاض في القدرة الشرائية للأسر التونسية ب 20% خلال السنوات الأربع الماضية حيث أصبحت الأسر التونسية في حاجة إلى أكثر من 4,000 دينار شهريًا لتغطية نفقات معيشتها.
وفي جانب آخر تجاوز متوسط الزيادة في أسعار المستهلك منذ عام 2022، متوسط الزيادة في دخل الأسر، مما أدى إلى انخفاض متراكم في القدرة الشرائية حيث يبلغ معدل التضخم 6%، بينما ترتفع الأجور بنسبة 3%.
خمس دراسات هيكلية قطاعية يجب انجازها
وفي ظل هذه الوضعية يقترح المعهد العربي لرؤساء المؤسسات اتخاذ عدة تدابير ابزرها وضع دراسات قطاعية شاملة للمجموعات الرئيسية من المنتجات الاستهلاكية (الغذاء، والإسكان، والصحة والتعليم، والنقل والاتصالات، وربما الملابس) مع التركيز على تحليل أداء السوق لمكافحة الممارسات غير التنافسية وإنفاذ القوانين القائمة بشأن المنافسة والتسعير مع تحليل العرض والطلب حسب القطاع، وتدخل الحكومة في كل قطاع (اللوائح، والضرائب)، وتأثير المعاملات الخارجية على نشاط القطاع.
كما دعا المعهد إلى توسيع الأسواق المنظمة (أسواق الجملة، والمسالخ، إلخ) لجذب نسبة أكبر من الإنتاج، على عكس الوضع الراهن كما يُعدّ اشتراط تقديم فواتير لجميع البضائع المنقولة والمباعة الحل الأمثل الذي يجب تنفيذه تدريجيًا.
وفي سياق متصل شدد المعهد على أهمية رقمنة الفواتير والمعاملات لرصد ظروف السوق، وهوامش الوسطاء، ونتائج التحسينات المُطبقة مع خفض تكاليف الخدمات اللوجستية لتقليص الفجوة بين أسعار الإنتاج في الاستيراد والتصدير وأسعار المستهلك.
وأشار المعهد إلى توجهات بانجاز دراسات الأولى على قطاع الأغذية، وأخرى على قطاع الإسكان، وثالثة على القطاعات الاجتماعية الخاصة، ورابعة على قطاع النقل العام والخاص وقد تُركز دراسة خامسة على قطاع الملابس وستُتيح هذه الدراسات اقتراح تدابير لتحسين القدرة الشرائية، مدعومة بتحليلات كمية للوضع الراهن، والتي ترتكز على إزالة المعوقات التي تحول دون سير التجارة بشكل طبيعي، وتصحيح أوضاع استغلال النفوذ، وتبسيط أساليب عمل السوق، وغيرها من مصادر تحسين القدرة الشرائية التي ستنتج عن التحليل القطاعي.
ويعتبر المعهد أنه يجب إقرار إصلاحات هيكلية لاستعادة القدرة الشرائية بشكل مستدام، من خلال تبسيط قنوات التوزيع، وتحسين كفاءة السوق، ومكافحة التهرب الضريبي، وتعزيز الشفافية الاقتصادية.
هناء السلطاني