'نساء الجبل...نساء و نصف'
جلست "محبوبة خضراوي" (65 سنة) على صخرة في مرتفع من مرتفعات منطقة "الوساعية" تنتظر حلول الوافدين على جبل سمامة من فنانين و جمعيات و تلاميذ في يوم تقرر أن تكون تظاهراته لمقاومة الإرهاب و للإعلان عن إنشاء مركز ثقافي يحتوي أطفال الجبل.
قسوة السنين الفارطة على أهالي المنطقة كانت واضحة على ملامح وجه "محبوبة" الشاحب الذي حمل ايضا رسوما و علامات موشومة،مثل علامة (+) و الذي يعتبر أشهر الحروف الأمازيغية الذي تتزين به نساء الريف و الجبل في مجتمعنا ، وهو حرف "تاء" في الأبجدية الأمازيغية المستوحى من كلمة “تامطوت” و تعني امرأة والمقصود بهذا الحرف في ثقافة الأمازيغ القديمة "امرأة كاملة الأنوثة والجمال".
و كانت "محبوبة" واحدة من أهم المشاركين في تظاهرة "الإنزال الثقافي" الذي احتضنه جبل سمامة يوم أمس الأحد 29 جانفي 2017 بحضور فنانين و ناشطين و تلاميذ مختلف مدارس القصرين، أين تم الإعلان عن إحداث مركز ثقافي بقيمة تناهز 600 ألف دينار بتمويل من منظمة rambourg يتضمن نواد للسينما و للرقص و للمسرح .
تحدثت "محبوبة" لموزاييك عن التظاهرة و عن الضيوف و عن السياسة و خصوصا عن نساء الجبل ، فالمرأة في المجتمعات الريفية و الجبلية تمثل الأب و الأم و رب العائلة و المربية و الشهيدة أيضا ، فغير بعيد من هذا المكان استشهدت "شريفة" و "فضيلة" عندما انفجر عليهما لغم ارضي زرعته العصابات الإرهابية شهر ماي 2016 عندما كان نسوة "الوساعية" بصدد جمع الإكليل في عمق الجبل.
"لقد تسبب الإرهاب في فقداننا لمورد رزقنا الوحيد بعد أن أصبح جبل سمامة منطقة عسكرية مغلقة"، هذا ما رددته محبوبة في حديثها مرارا ، فجبل سمامة، الذي ارتبط اسمه بالإرهاب أو بالعمليات العسكرية التي تقوم بها وحداتنا العسكرية، كان مورد رزق "محبوبة" و غيرها من النسوة القاطنات بالوساعية ، هناك كن يقمن برعي أغنامهن و في عمقه يجنين الإكليل ليبعنه و يقطعن العسل من بيوت النحل التي كن يجدنها في المغاور وفي مرتفعاته كن يقمن بجني الصنوبر الحلبي "الزقوقو" قصد بيعه في موسم المولد النبوي.
اما اليوم فمجرد التوغل خطوات في الجبل قد يؤدي بحياتهن نظرا لانتشار الألغام الأرضية حول مغاور الإرهابيين.
جزء من مكونات المجتمع المدني يحاول إيجاد بديل لنسوة جبل سمامة عبر بعث أماكن آمنة يقمن فيها السيدات بنشاطات حرفية تعينهم على العيش في مرتفعات القصرين، هذا ما صرحت به الناشطة "ألفة تراس" في تصريح لموزاييك.
تواصلت التظاهرة رغم تزامنها مع إنفجار لغم في منطقة غير بعيدة من "الوساعية"، و كأن محبوبة و زوارها من المشاركين في هذا الحدث الهام أرادوا تمرير رسالة واضحة عبر رفع النشيد الوطني في مرتفعات سمامة فحواها "لن يعشش الإرهاب بيننا...سيقتلع من جذوره كما تقتلع نسوة الجبل حلفاء السباسب العليا في منشر الحلفاء بالوساعية ".
كرمت "محبوبة" بعض المشاركين الوافدين على المنطقة و رفعت علامة النصر بعد أن تزينت بلباسها التقليدي الذي ترتديه في الأعياد و المناسبات التي كانت تواكبها بالمنطقة ، فيوم أمس كان بمثابة عرس جبل سمامة الذي استقبل تونسيين و أجانب قرروا تحدي الإرهاب.
عرس سيكتمل بعد أن يحرر الجبل بالكامل على يد بواسل جيشنا و أمننا و بمساهمة نسوة يشبهن "محبوبة" في المقاومة وفي رفض ثقافة "دواعش" العصر من التكفيريين ، نسوة يصح أن نستعين في وصفهن بما قاله شاعر الخضراء " الصغير ولاد احمد" في المرأة التونسية...
ففعلا "نساء الجبل...نساء و نصف".
برهان اليحياوي