سيدي بوزيد: عشرية أولى صعبة.. وما أشبه اليوم بالأمس!
اليوم تنقضي العشرية الأولى من الزمن على الثورة التونسية في سيدي بوزيد في المهد الأولي لها ورمز الانتفاضة التي أطاحت بنظام حكم ما يربو عن 23 سنة.
في مثل هذا اليوم من كل السنوات الماضية يتذكر التونسيون كيف تأججت الاحتجاجات الشعبية في العديد من الجهات التونسية والتي كانت منطلقها ربوع هذه الجهة لينفتح باب مرحلة جديدة على مصراعيه تتوالى فيها الأحداث على تنوعها .
ولئن طفت نفحات الحرية على السطح فيها وارتسم المسار الديمقراطي فان الشعارات المطالبة بالتشغيل والكرامة والعدالة الاجتماعية والتمييز الايجابي التي ترددت ابان اندلاع الثورة في جهة لفها النسيان والتهميش السنين الطوال وما تلاها، ومازالت حبرا على ورق ومازالت تراوح مكانها ولم تتحقق بصفة فعلية بالوجه المطلوب، بحسب ما يتذكره ويستحضره عموم الناس.
لابد من تغيير النظام السياسي والانتخابي
عمار الحامدي ناشط بالمجتمع المدني يقول "عيد باية حال عدت يا عيد....... ما أشبه اليوم بالامس... لقد مر عقد من الزمن على هبّة الكرامة والتحرّر والانعتاق من نير الاستبداد والاستغلال والإذلال التي فتحت لنا أفاقا رحبة من التفاؤل والحلم الذي سرعان ما تبدد، حيث أجهض المتآمرون من الداخل والخارج كل تطلع إلى الأفضل فكان الإرهاب والاغتيال والعنف والتفقير والتكفير والتهجير... " و يواصل " لقد تردّت الخدمات وتفاقم العجز وارتفعت نسبة البطالة وازدادت المديونية فعمّ الغلاء والاحتكار وتضاعف منسوب المشاكل الاجتماعية من انتحار واغتصاب وجريمة وتحيل.. ولم تنجح الحكومات المتعاقبة في إيجاد الحلول لان الأحزاب الحاصلة على أكبر نسب من الأصوات لم تتحمل المسؤولية فخيّرت عن قصد ومغالطة أن تأتي في كل مرة برئيس حكومة.. فكان الانهيار الذي زادته السياسوية والشعبوية تسارعا وها هو الوطن يترنح على شفير الهاوية" .
وأكد الحامدي أن ولاية سيدي بوزيد تعد منطلق الشرارة الأولى بمدخراتها الفلاحية والانشائية وبطاقاتها الشبابية ومع ذلك فإنها لم تلمس أي تغيير يذكر، حيث ظلت منظومة التمييز الايجابي كذبة تنضاف إلى الوعود الزائفة التي لم تحقق مطالب أبناء الجهة في التشغيل والتنمية والتسوية العقارية والبنية التحتية وسوق الجملة والمستشفى الجامعي والاستثمار الذي يساهم في حل معضلة البطالة .. قائلا: ''إننا متأكدون أنه بضرب الفساد واتخاذ قرارات وطنية جريئة والقيام بإصلاحات هيكلية جوهرية وبالإرادة الصادقة يمكن إنقاذ البلاد والعباد من براثن التردي والهون''.
ويرى الحامدي أن الحل يكمن في تغيير النظام السياسي مع ضمانات للحريات والحقوق الفردية والجماعية وتنظيم مجلس وطني للإنقاذ يرسم خارطة طريق جديدة سياسية واقتصادية واجتماعية وثقافية وتربوية وقضائية وجبائية تقدم لرئيس الجمهورية ليعلن عن استفتاء شعبي.
مناطق صناعية ضرورة للخلاص
سناء عماري مستشارة بالمجلس البلدي بسوق الجديد تؤكد أنّه على الرغم من تقدم الزمن وتتالي الحكومات والمسؤولين ظل الوضع الاجتماعي والإقتصادي والتنموي على حاليهما بل وازدادا سوء، حيث تفشى الفقر والخصاصة والحرمان وتواصلت سياسة التهميش والاقصاء والمماطلة في ظل اذان صماء للمسؤولين.. فالشعارات الاقتصادية والاجتماعية التي رفعت خلال الثورة "التشغيل استحقاق" "شغل حرية كرامة وطنية" لم يتحقق منها شيء.. بل قامت الحكومات المتعاقبة بتأسيس مجموعة من آليات التشغيل الهش على غرار الحضائر وإسكات المطالبين باستحقاقاتهم.. وتم تجاهل كل من وضعية الفلاح والمرأة العاملة في القطاع الفلاحي وحرمانهم من حقوقهم المشروعة''، حسب قولها. وشدّدت العماري على ضرورة تثبيت جملة من المبادئ وتفعيلها.
وترى العماري أن أكبر معضلة هي عدم توفر مناطق صناعية لاحتضان المشاريع الكبرى إلى جانب تسهيل الخدمات والتخلص من البيروقراطية المقيتة التي تمثل عائق أمام تطور المسار التنموي بالجهة.
الحل في التشبيب
أما النقابي عبد الحكيم شلباوي يرى أن الهوة بين المطلبية الشعبية وامكانيات الدولة التي ارهقتها الحكومات المتعاقبة لعدم حرفيتها لازالت بعيدة نتيجة اصطدامها بمصالح "ماكينة" فاسدة متغلغلة في أحشاء الدولة وظلت طلبات المواطنين لعبة تتقاذفها الأحزاب فاغرقت الدولة في المديونية وبقي الفاسدون عثرة أمام التنمية سواء في مشاريع جهوية أو في مخططات إستراتيجية وطنية وفقد المواطن الثقة في جميع الاحزاب.
ويرى الشلباوي أن الحل يكمن في تشبيب الدولة بانتدابات جديدة وذات كفاءة عالية والعمل على تغيير النظام الانتخابي.
حرب المواقع والبحث عن الانفراد
من جهته يشير رياض خليف أن هذه الذكرى تعود حاملة نوعا من الخيبة والانكسار...ليس لأنّ الإطاحة بالنظام السابق لم تكن في محلها مثلما يروج البعض، فذلك النظام قد تهاوى من الداخل وتصدعت جدرانه ولكن ''لأنّ الخطوات التي سلكناها لم تكن موفّقة''، وفق تعبيره، فعلى امتداد هذه السنوات كان البعض يتاجر بالثورة ويعيد بها ترتيب مصالحه وغنائمه...كان هناك تكريس لمقولة " شاركت في الثورة ولا يمكن تتبعي أو محاسبتي أو حتى مناقشة رأيي"...هذه المقولة الاستبدادية شتت شمل الشعب التونسي وصنعت لنا نماذج جديدة من المتنفّذين ممن صاغوا هذه المرحلة وفق أهوائهم ومصالحهم، فهم الثوار وهم الزعماء وهم من يتصرفون باسم الثورة...فأصبح البعض فاعلا لأجل صرخة أو صورة أو ما شابه من الأشياء البسيطة، هذه الغطرسة وجهت الثورة والبلاد وأضاعت طموح شعب ووحدته وجعلت الجدار بين الناس والثورة يزداد سمكا. فلم تعد غير احتفال سنوي بل مهرجانا ثقافيا شتويا تحتضنه هذه المدينة التي تقتصر الاحتفالات بالحدث عليها ليست هناك احتفالات في الجهات الأخرى و لا حتى في معتمديات سيدي بوزيد.
أنّ هذا التوجه ظهر منذ السنوات الأولى رسالة خطيرة من المركز إلى الهامش... من مدينة الولاية التي تحتفل بشكل ضيق إلى أريافها وقراراتها ولكن لهذا الانحسار في الفترات الأولى سبب وهو موقف الناس فالثورة لم تغير في الأوضاع ولم تحقق الطموحات .
تقييم الناس للثورة يرتبط عادة بأحداث شخصية فكل من لم يحقق مراده يظل يائسا منها وهذا هو الأساس أما التحركات الجماعية التي تحمل اسم التنمية وهذه الجهة أو تلك فليست غير غطاء لمطامح وغايات شخصية، وهكذا تنحرف الثورة عن غاياتها السياسية والاجتماعية وندخل في مرحلة الاسترضاء غير المقنن، لقد صارت الأمور على غير ما نريد، ولذلك تظل الحصيلة جهويا ضئيلة''.
أنّه ليست هناك انجازات ملحوظة أو مشاريع يمكن للمتحدث أن يفتخر بها إلا على الورق في محاضر الجلسات وأوراق الجمعيات...المطلبية شديدة والمشاكل الحياتيّة أشدّ.
ولعل مردّ هذه الوضعية فشل النخب السياسية في توحيد الصفوف ووضع استراتيجيات للنهوض بالجهة بعيدة عن الذاتيّة والمطامح السياسيّة. يوم تتخلى هذه القوى عن تفردها بالرأي وتجمع خبرات الجهة وكفاءاتها ويسود جوّ من التضامن والعمل الجاد ستكون التنمية والإضافة خيار السلطة أما الآن فمازالت حرب المواقع والبحث عن الانفراد تنهكنا محليا ومركزيا.
*محمد صالح غانمي