languageFrançais

ريبورتاج..عندما يكون الموت في مستشفى القصرين هو الأصل..والعلاج إستثناء

مشاهد مؤلمة من داخل المستشفى الجهوي بالقصرين لن تمحيها السنون  بقيت راسخة في ذهني و لا أظنها  قد تُنسى من قبل كلّ من واكب مذبحة هنشير التلّة 1 و 2 (جويلية 2013 و جويلية 2014) و كارثة خمودة  (أوت 2016)  أين كان المستشفى شاهدا على أحداث دموية ارتبطت بصورة الموت القادم من الجبال و من الطرقات و ما رافقهم من مطالب بتحسين البنية التحتية الصحية و من وعود لم تر النور إلى اليوم.


قبل و أثناء وبعد الثورة التونسية ،بقي المستشفى الجهوي بالقصرين المرجع الوحيد في جهة حدودية تعتبر "خط النار" في المواجهات مع العناصر الإرهابية و قبلة حوالي مليون ساكن من القصرين و من عدد من معتمديات سيدي بوزيد كجلمة و من الولايات الحدودية الجزائرية كتبسة و الوادي .


في ولاية تحتل المراكز الأخيرة في كل مؤشرات التنمية الجهوية يتشكّى المواطنون من جودة الخدمات الصحيّة و يتذمّر الأطبّاء من ضعف الإمكانيات و اللوجستيك  و من ظروف العمل الصّعبة و يشكو المستشفى الجهوي بالقصرين من نقص في أقسام طبية و في أطباء اختصاص أين يظطرّ المواطن ،الذي قد يلقى صعوبات كبرى في التنقل من الأرياف الى مدينة القصرين للتداوي لقلة ذات اليد، يضطر إلى التنقل نحو الساحل او إلى صفاقس او إلى العاصمة للعلاج.


في قسم الإستعجالي تحدّث لنا إطار شبه طبي ،طلب منا عدم الكشف عن هويته، قائلا:"هنا يختلط الحابل بالنابل..هنا الاكتضاض..هنا يرافق أحيانا عشرات المرافقين مريضا واحدا و يدخلون معه الى داخل الاروقة..عن اي جودة خدمات صحية و عن اي صحة عمومية تتحدثون؟؟".


واصل محدّثنا  بنبرة متحمّسة ليكشف على كون قسم الاستعجالي بمفرده يستقبل حوالي 500 مريض في اليوم الواحد قبل ان يستدرك بأن حوالي 80% من هذه الحالات تعتبر غير استعجالية Des fausses urgences  يمكن علاجها بالمستوصفات لتذوب الحالات الاستعجالية وسط الحالات العادية و ليؤكد على وجوبية إنشاء قاعة فرز للتفريق بين الحالات في المستشفى من اجل تخفيف الضغط على قسم الاستعجالي.


ليعتذر منا ،حال قدوم إمرأة حاملة لإبنها الذي كسرت ذراعه، قائلا:"4 أطباء و 4 ممرضين يتناوبون ليلا نهارا على قسم يستقطب حوالي 200 ألف مريض سنويا...إنه الجنون بعينه !!".


واصلنا جولتنا داخل المستشفى أين توجهنا الى قسم الجراحة ليؤكد لنا أحد المرضى أنه انتظر لشهور قبل أن يأتي دوره لإجراء عملية جراحية .


ففي قسم الجراحة العمليات الغير مستعجلة تجعل المريض أمام خيارين إثنين : إمّا ألم الإنتظار أمام الحالات الاجتماعية  أو التوجه الى القطاع الخاص.. لمن استطاع  إليه سبيلا...


لم تتوقف جولتنا في قسمي الاستعجالي و الجراحة بل توجهنا ليلا إلى قسم حيوي ثالث "قسم النساء و التوليد" أين إلتقينا برئيس القسم الدكتور "مسعود قسومي" ليؤكد بأن  القصرين هي الولاية الأولى في نسبة وفايات الأمهات و الولدان مذكّرا بكون القسم يجري ما يفوق 10 عمليات يوميا .


القسومي أكد بكون الأطباء يجتهدون قدر الإمكان لكن جغرافية المنطقة و خاصياتها و بنيتها الاجتماعية  قد تغلب أحيانا الاجتهادات البشرية.


حيث يجري 3 أطباء اختصاص نساء و توليد حوالي 5000 عملية سنويا ببنج عام و آخر موضعي نسبة مرتفعة جدا مقارنة بمستشفيات جهوية بمناطق داخلية أخرى و هي لا تقارن مع المستشفيات الجامعية التي توجد بالمناطق المحظوظة اين تقل نسبة الولادات الى النصف و يرتفع عدد أطباء الإختصاص الى عشرة أضعاف ما يوجد في المستشفى الجهوي بالقصرين.


عوامل مجتمعة  تفسّر غضب المواطنين على الخدمات الطبية و إحصائيات رسمية تؤكد الظروف الصعبة التي يعاني منها أصحاب  مهن "ملائكة الرحمة" من أطبّاء و ممرضين و تقنيبن وسط غياب التجهيزات و المعدات و الاقسام اللازمة تجعل الموت في مستشفى القصرين هو الأصل و العلاج إستثناء..


في طريق العودة تتجلى بناية قسم الاموات    ،التي احتضنت على مضي سنوات عشرات الشهداء الذين ارتقوا في الجبال و في المدن و تذكّرت وعودا لتطوير الخدمات الصحية بالقصرين كانت قد أطلقت بعد كل حادثة و زيارة  ..وعود أظن بأنها قبرت مع الموتى الذين مرّوا عبر هذا القسم...

برهان اليحياوي.