سيدي بوزيد:الحدادة حرفة تتوارثها أجيال أولاد بوعلاق في المدينة العتيقة
في قلب المدينة العتيقة من سيدي بوزيد، وتحديدا بنهج 18 جانفي، تتعالى أصوات المطرقة على السندان في مشهد يكاد يختزل ذاكرة المكان، هناك، امتهن" أولاد بوعلاق "حرفة الحدادة منذ بداية تسعينات القرن الماضي، لتتحول المهنة إلى علامة فارقة في تاريخ الجهة، وفق ما أكده، عم مقداد الصالحي، أحد العارفين بتاريخ المنطقة.
* مهنة من نار وصبر:
داخل محلات بسيطة تفوح منها رائحة الحديد المسخن مازالت الأيادي تواصل ما بدأه الآباء والأجداد. الحاج علية بوعلاقي ، أحد كبار الحدادين، يسترجع البدايات قائلا إن ''أجداد أولاد بوعلاق" كانوا يصنعون كل ما يحتاجه الأهالي من معدات فلاحية؛ المعاول والفؤوس والرفوش والنقالات والعربات الصغيرة وسكة المحراث والسلاليم إلى جانب تجهيزات منزلية مثل الصهاريج المائية والنوافذ والأبواب والأسِرة وغيرها، وحتى أدوات النسيج المعروفة بـ " السداية" و"الخلالة" و " المطرق " وغيرها .
ولم تقتصر مهاراتهم على الحديد فحسب بل امتدت إلى إصلاح أعطاب قطع الذهب والفضة وصيانتها وطلاء الأواني التي كان يصنعها حرفيو القيروان قديما وأشار الحاج البوعلاقي إلى أن الحديد أنذاك كان يطرق بأدوات يدوية تقليدية بعد تسخينه بالفحم الحجري، في عملية شاقة تتطلب قوة بدنية ودقة متناهية.
* بين الحداثة والوفاء للأصل
وقال الحاج إن حرفة الحدادة اليوم تطورت كثيرا حيث دخلت آلات القص والطي والثني العصرية حيز الإستعمال مع الإعتماد على التيار الكهربائي لتسريع وتيرة الإنتاج وتحسين دقته غير أن الحدادين، رغم هذا التطور، لم يتخلوا عن جوهر المهنة التي ورثوها متمسكين بروحها التقليدية حتى في ظل قلة ذات اليد وإرتفاع أسعار المواد الأولية.
نور الدين البوعلاقي، أحد الحدادين بالنهج ذاته، يؤكد أن العمل اليدوي يتطلب دقة وفطنة وخبرة متراكمة، لكنه يقر في المقابل بأن الحرفة لم تعد قادرة على ضمان متطلبات العيش الكريم. فالمواد الأولية شهدت، حسب قوله، "ارتفاعًا جنونيًا"، في وقت لا تتجاوز فيه أرباح أغلب الحرفيين 30 أو 40 دينارا في أفضل الحالات.
* معادلة مختلة
إرتفاع كلفة الكهرباء، وأسعار المواد الغذائية واللحوم ومصاريف الدراسة واللباس والتداوي، كلها عوامل جعلت الحدادين يعيشون على وقع معادلة مختلة بين كلفة الإنتاج وضعف العائدات، وفق تعبير نور الدين الذي أضاف أن العديد من الحرفيين أصبحوا عاجزين عن تحقيق التوازن بين مصاريفهم اليومية ومتطلبات الورشة.
* هل من التفاتة جدية؟
أمام هذا الواقع، يعبر الحدادون عن أملهم في التفاتة جدية من الجهات المسؤولة، عبر مراجعة كلفة المواد الأولية والطاقة، وإقرار آليات دعم تمكنهم من الصمود. فهذه الحرفة، كما يقول نور الدين، ليست مجرد مورد رزق، بل إرث ثقافي ومهني تناقلته الأجيال، ويستحق أن يصان حتى لا تنطفئ نار الكير في نهج 18 جانفي وحتى يحافظ "أولاد بوعلاق" على حرفة صنعت تاريخا صغيرا في ذاكرة مدينة كبيرة.
محمد صالح غانمي