موروث تاريخي هدمته السياسات والجشع: هل توجد فعلا كنوز في آثار القدامى؟
لا تكاد تخلو الفضاءات الخاصّة والعامّة، من الحديث عن كنوز من ذهب وألماس وغيرهما، بالاقتران مع الخوض في أيّ خبر يعتني بآثار القدامى، ممّن مرّوا بأرض تونس، منذ آلاف السّنين... سرديّات تقترب إلى الرّوايات الشّعبيّة أو الأساطير، في كثير من الأحوال، خصوصاً في المجال الجغرافيّ المحيط بالمواقع الأثريّة الّتي يتجاوز عمر بعضها العشرة آلاف سنة.
وإن غابت الإحصائيّات الدّقيقة عن عدد المواقع الأثريّة في تونس، والنّسب المائويّة لتواجدها في كلّ ولاية في تونس؛ نظراً لضعف الإمكانيّات المخصّصة للجرد، ولنقص الحفريّات المخصّصة في الغرض، فإنّ مصادر متطابقة صرّحت لموزاييك بأنّ ولاية القصرين تعتبر واحدة من أكثر الولايات الّتي تحتوي آثاراً بنسبة تتراوح بين 33% و66% من مجموع الآثار الموجودة في تونس، خصوصاً تلك الّتي تعود إلى الفترتين الرّومانيّة والبيزنطيّة.
وتحتوي ولاية القصرين آلاف المواقع الأثريّة، بين مصنّفة وغير مصنّفة أو غير المكتشفة، وفق المصادر ذاتها... مواقع أُنتهكت كلّها، بطرق مختلفة؛ من الدّولة لتنفيذ مشاريع عموميّة وغيرها، أو من قبل عدد من المواطنين لاستغلال تلك الأراضي أو خصوصاً بحثاً عن "الكنوز".
ورغم وقوع عشرات الباحثين عن ربح سريع في شراك عمليات تحيّل من قبل عصابات باعتهم الوهم مع قطع أثريّة مزيّفة، عندما تمّ التّفريط لهم فيها مقابل عشرات آلاف الدّنانير على أنّها قطع ذهبيّة أو تماثيل أُستخرجت من بطن الأرض، فإن هاجس الرّبح السريع ظلّ يلاحق آخرين، بغية العثور عن كنز ما، يغيّر واقعهم.
تحدّث مستجوبون، رفضوا الكشف عن هويّاتهم، عن تجاربهم في ملاحقة ثروة أو سراب يسكن تحت الأرض، "علامات ورموز"، "شيوخ دين من جنسيّات أجنبيّة"، "آلات نبش تقليديّة وأخرى حديثة"... كلّها أدوات مهمّة للعثور على "ثروة" من الذّهب، أو غيره، تركها القدامى... لكن لا أحد منهم عثر على ذلك، وفق أقوالهم، ما يؤكّد أن كلّ تلك الخرافات الّتي تُجترّ من هناك وهناك، ومنذ عقود كثيرة، حول وجود "كنوز مخفيّة"، في مواقع آثار الرّومان أو البيزنطيّين، لا يتعدّى أن يكون مجرّد وهماً ودجلاً...
القدامى لم يستعملوا الذّهب كعملة، ولم يدفن في قبورهم أي ثروات تذكر...
يقول خبير في المعهد الوطنيّ للآثار، طلب عدم ذكر اسمه بسبب المنشور الوزاريّ الّذي يمنعهم من التّصريح لوسائل الإعلام قبل الحصول على ترخيص، إنّه لا يوجد لدلالة علميّة واحدة تتحدّث عن كنوز خلّفتها الحضارات القديمة الّتي عاشت في تونس، ويؤكّد على أنّ العملة النّقديّة في الحقبات التّاريخيّة القديمة هي من البرونز في أغلبها.
ويكشف الخبير أنّ البحوث المنجزة على الحضارات القديمة، فنّدت حصول أيّ إمكانيّة للمعاملات بالذّهب، أو غيره من المواد القيّمة، وهو ما يكذّب تلك الخرافات الّتي أُنتهكت من أجلها المواقع التّاريخيّة القيّمة، بحثاً عن وهم وسراب، وفق تصريحه لموزاييك.
ويشدّد المختصّ على أنّ القبور الّتي نُبشت وخُرّب ما حولها، بحثاً عمّا يُدفن مع القدامى، ليست إلا عمليّات عبثيّة، نتيجة قلّة التحسيس والوعي، لأنه ليس من العادات الجنائزيّة في العصور القديمة، دفن ماهو ثمين مع الميّت.

ويشير في تصريحه لموزاييك، إلى أنّ أدوات الزّينة في الحقبات التاريخيّة القديمة لم تكن أصلاً من الذّهب الخالص أو المرمر أو اللؤلؤ أو الألماس، وذلك ما ينفي وجود كنوز دفنها القدامى تحت الأرض أو فوقها.
ويؤكد على أنّ 80% من محجوزات المعهد الوطني للآثار في مثل هذه العمليّات هي من القطع الأثريّة أو النّقديّة المزيّفة الّتي كانت نتيجة عمليّات تحيّل.
ولم ينفِ مصدرنا وجود شبكات لسرقة الآثار غير المزيّفة(تماثيل ومجسّدات وغيرها)، وبيعها داخل أو خارج البلاد، لتزيين عدد من المنازل الفخمة.
عندما يتصالح المواطن مع آثاره، وحين يدخل موروثه الدّورة الاقتصاديّة... ستتوّقف الانتهاكات...
من ناحية أخرى، فسّر مصدر عليم صلب وزارة الشّؤون الثّقافيّة، تكرّر الانتهاكات على الآثار، في ولاية القصرين، على أنّها إحدى التّعبيرات على وجود علاقة "عداء بين المواقع الأثريّة وجزء من المواطنين"، لأنّ جلّ الموروث الأثريّ في المنطقة لا يقدّم أيّة مردوديّة اقتصاديّة للجهة، وهو ما يفرض طرح سبل جديدة تمكّن الآثار من خلق الثّروة في محيطها، بعيداً عن وهم الكنوز، وعبر خلق مواطن رزق صلب المواقع الأثريّة، بعد تثمينها وإدخالها في المسالك السياحيّة والترفيهيّة الثقافيّة، وغيرها، حسب تصريحه لموزاييك.
ودعا مصدرنا إلى وضع سياسة واضحة لحماية المعالم الأثرية، تنطلق بمراجعة مجلة حّماية التّراث، وبتشريك المواطن في حماية الآثار عبر توعيته وإدخاله الحركة الاقتصاديّة والتنمويّة، بسياحة بديلة؛ يكون الموروث الماديّ واللاّ ماديّ قوامها...
المفارقة التّاريخيّة: القدامى يبنون، واللاّحقون يهدمون!
"التّاريخ هو العمق الاستراتيجيّ لمن يبتغي صناعة المجد في الحاضر والمستقبل"، مقولة انتشرت في كوفة الزّمن العبّاسي، وتبقى صالحة لكلّ مكان وزمان، وما تلك المعالم الأثريّة المنتصبة في هوامش البلاد، والقصرين نموذجاً، إلاّ جزءاً من ملاحم القدامى، الّتي عبث بها اللاحقون لغاية أو لأخرى، أهمّها البحث عن وهم "الكنوز"... معالم لو تحدثت سياسة، لكشفت عن نفسها ككنز حقيقيّ يستحقّ الحماية والاستثمار، ليكون مرآة الماضي وثروة أركيولوجيّة تنير سبيل المستقبل...
برهان اليحياوي