العودة المدرسية.. حين يتحوّل تاريخ 15 سبتمبر إلى اختبار للاندماج
ليست العودة المدرسية مجرد موعد لاستئناف الدروس وعودة التلاميذ إلى مقاعد الدراسة، بل هي أيضًا مرحلة انتقال من نمط حياة مختلف عاشه الطفل خلال العطلة إلى فضاء تحكمه قواعد والانضباط والالتزام.
هذا الانتقال قد لا يكون سهلًا بالنسبة إلى عدد من التلاميذ، خاصة بعد عطلة طويلة تغير خلالها نسق النوم والعادات اليومية والأنشطة. ومن هذا المنطلق، يرى الباحث في علم الاجتماع طارق السعيدي أن العودة المدرسية ينبغي أن تُفهم باعتبارها عملية إعادة اندماج اجتماعي، لا مجرد عودة إلى البرامج والمناهج.
من راحة العطلة إلى انضباط المدرسة
يقول السعيدي إن التلميذ ينتقل من فضاء الأسرة، حيث تسود العلاقات الحميمية ونسق الحياة الأكثر مرونة، إلى المدرسة باعتبارها مؤسسة للتنشئة الاجتماعية والانضباط.
وقد تظهر نتيجة هذا الانتقال، خلال الفترة الأولى من العودة، في شكل صعوبة في الاندماج أو استعادة نسق الدراسة، خاصة لدى الأطفال الذين اعتادوا خلال العطلة السهر والنوم المتأخر وغياب الالتزامات اليومية.
لكن الباحث يعتبر أن المدرسة قادرة على تسهيل هذا الانتقال إذا لم تقدم نفسها للتلميذ منذ الأيام الأولى باعتبارها فضاءً للصرامة فقط، وإنما أيضًا مجالًا للإبداع والمشاركة والتعبير.
المدرس.. مفتاح الأيام الأولى
ويضع السعيدي المدرس في موقع أساسي خلال الأسبوعين الأولين من العودة، معتبرًا أن هذه الفترة تستوجب قدرًا من المرونة في التعامل مع التلاميذ.
فبدل أن تتحول الأيام الأولى إلى سباق مع البرنامج الدراسي وعدد الدروس والكفايات المطلوب استكمالها، يمكن أن يكون الدرس نفسه مدخلًا لإعادة بناء علاقة التلميذ بالمدرسة، من خلال الحوار والمشاركة والأنشطة التي تتيح له التعبير والإبداع.
وهذه الفكرة تتقاطع مع نتائج دراسات تناولت علاقة التلميذ بالمدرسة والحضور والانقطاع عن الدراسة. فقد خلصت مراجعة علمية واسعة بعنوان «عوامل خطر الغياب المدرسي والانقطاع عن الدراسة: مراجعة تحليلية شاملة»، أعدها الباحثون جان غوبلز وكلوديا فان دير بوت ومارك أسينك ونشرت سنة 2019 في مجلة Journal of Youth and Adolescence، إلى أن الغياب والانقطاع لا ينتجان عن سبب واحد، بل يرتبطان بتداخل عوامل شخصية وأسرية ومدرسية واجتماعية.
وتشير الدراسة، التي راجعت نتائج عدد كبير من البحوث، إلى أهمية موقف التلميذ من المدرسة ومشاركته فيها، إلى جانب دور الأسرة والمحيط المدرسي والاجتماعي، في تفسير مخاطر الغياب والانقطاع.
عطلة واحدة.. وتجارب اجتماعية مختلفة
غير أن العودة المدرسية تكشف جانبًا آخر لا يقل أهمية، يتعلق بالفوارق الاجتماعية بين التلاميذ.
فالعطلة ليست تجربة موحدة للجميع. فهناك أطفال يقضونها في السفر والرحلات والأنشطة الرياضية والثقافية، ويعودون إلى المدرسة بملابس وأدوات جديدة، في حين قد يقضي أطفال آخرون العطلة في ظروف اقتصادية صعبة، أو في العمل، أو من دون أنشطة ترفيهية منظمة، وقد يعودون بالملابس والأدوات نفسها التي استخدموها خلال السنة السابقة.
ويرى السعيدي أن هذه الفوارق يمكن أن تنعكس على تجربة الطفل عند عودته إلى المدرسة، وعلى شعوره بالاندماج والمشاركة مقارنة بزملائه.
وهذه المسألة ليست بعيدة عن نتائج البحث العلمي حول ما يعرف بـ**«فجوة التعلم الصيفية»**. ففي دراسة أمريكية طويلة المدى بعنوان «التداعيات المستمرة لفجوة التعلم خلال العطلة الصيفية»، أنجزها كارل ألكسندر ودوريس إنتويسل وليندا أولسون ونشرت سنة 2007 في مجلة American Sociological Review، تابع الباحثون المسار الدراسي لمجموعة من الأطفال لسنوات.
وخلصت الدراسة إلى أن الفوارق التي تظهر في التعلم خلال العطل الصيفية يمكن أن تتراكم مع مرور الوقت، وأنها ترتبط بجزء من الفجوة التعليمية بين الأطفال القادمين من أوساط اجتماعية واقتصادية مختلفة.
هل تؤثر العطلة أيضًا في الصحة النفسية؟
ولا يتعلق الأمر بالتحصيل الدراسي فقط. فقد بحثت دراسة بريطانية بعنوان «تأثير العطلة الصيفية المدرسية في الفوارق في الصحة النفسية والقدرات المعرفية لدى الأطفال والشباب»، نشرت سنة 2022 في مجلة BMC Public Health، في التغيرات التي تطرأ على الأطفال خلال فترة العطلة.
واعتمد الباحثون على بيانات «دراسة الأتراب الألفية»، وهي دراسة بريطانية طويلة المدى تتابع مجموعة كبيرة من الأطفال منذ سنوات الطفولة.
وأظهرت الدراسة وجود بعض التفاوتات المرتبطة بالخلفية الاجتماعية للأطفال، خاصة في بعض مؤشرات الصحة النفسية، لكنها لم تثبت بصورة قاطعة أن العطلة الصيفية تؤدي حتمًا إلى اتساع الفوارق في القدرات المعرفية.
وتكشف هذه النتائج أن تأثير العطلة ليس واحدًا لدى جميع الأطفال، وأن ظروف الأسرة والموارد المتاحة ونوعية الأنشطة التي يمارسها الطفل خلال الصيف عوامل ينبغي أخذها بعين الاعتبار.
دوركايم وبورديو.. المدرسة أكثر من مجرد مؤسسة تعليم
ويضع السعيدي هذه المسألة في سياق علم الاجتماع التربوي، حيث ينظر إميل دوركايم إلى المدرسة باعتبارها مؤسسة أساسية للتنشئة الاجتماعية، تساعد الطفل على الانتقال من عالم الأسرة إلى المجتمع الأوسع، وتعلمه القواعد والقيم المنظمة للحياة الجماعية.
أما عالم الاجتماع الفرنسي بيار بورديو، فقد ركز على العلاقة بين المدرسة والفوارق الاجتماعية والثقافية، وبيّن في أعماله حول التعليم أن الأطفال لا يدخلون المدرسة وهم يمتلكون الموارد الثقافية والاجتماعية نفسها، وهو ما يمكن أن ينعكس على مساراتهم التعليمية.
ومن هذا المنظور، لا تكون العودة المدرسية متشابهة بالنسبة إلى الجميع، لأن الطفل يدخلها وهو يحمل معه تجربة أسرية واجتماعية مختلفة.
العائلة.. لا يجب أن تنتظر يوم العودة
وبالنسبة إلى السعيدي، تبدأ مسؤولية العائلة قبل موعد العودة بوقت كافٍ، ولا ينبغي الانتظار إلى الأيام الأخيرة.
ويتمثل ذلك في إعادة تنظيم نسق الحياة تدريجيًا خلال شهر أوت، خاصة مواعيد النوم والاستيقاظ، وإعادة تخصيص وقت للقراءة والمراجعة والجلوس إلى الطاولة، حتى لا تكون العودة صدمة مفاجئة بعد أسابيع من الراحة.
ويصبح الانتقال بذلك تدريجيًا: من الراحة إلى النشاط، ومن السهر إلى النوم المنتظم، ومن اللعب المفتوح إلى استعادة التركيز والاستعداد للتعلم.
الدولة مطالبة أيضًا بـ«عطلة عادلة»
ولا يرى الباحث أن مسؤولية نجاح العودة المدرسية تقع على عاتق الأسرة والمدرسة فقط، بل تشمل الدولة أيضًا.
فالأطفال المنحدرون من الأسر محدودة الدخل يحتاجون، وفق هذا الطرح، إلى فرص أكبر للاستفادة من الرحلات والمصايف والأنشطة الثقافية والرياضية وبرامج دور الشباب والثقافة خلال العطلة.
والغاية ليست الترفيه فقط، وإنما توفير تجربة صيفية أكثر عدلًا، تتيح للأطفال، مهما كانت أوضاعهم الاجتماعية، فرصة للترفيه والتعلم واكتساب تجارب وذكريات جديدة.
العودة تبدأ قبل 15 سبتمبر
وبذلك، فإن العودة المدرسية، وفق القراءة السوسيولوجية التي يقدمها طارق السعيدي، لا تبدأ يوم 15 سبتمبر، وإنما قبل ذلك بأسابيع.
فالعائلة مطالبة بإعداد الطفل تدريجيًا، والمدرسة مطالبة بجعل الأيام الأولى مساحة للاندماج والإبداع، فيما تظل الدولة معنية بتقليص الفوارق في فرص الترفيه والثقافة والنشاط خلال العطلة.
فالنجاح في العودة المدرسية لا يقاس فقط بدخول التلميذ إلى القسم في اليوم الأول، وإنما بقدرته على استعادة إيقاع التعلم، والاندماج في محيطه المدرسي، والشعور بأن المدرسة فضاء للتعلم والانتماء والإبداع، وليس مجرد مكان للانضباط واستكمال البرامج.
بشرى السلامي