'بكمة'.. حين يقتنص عبد الحميد بوشناق من 'قسوة الواقع' رؤيةً سينمائية
يُواصل المخرج عبد الحميد بوشناق نحت مساره الفني ببصمة متفردة، مُتنقلا بخطى ثابتة من نجاحات "دشرة" و"فرططو ذهب" إلى تميّز "نوبة" و"رقوج" وغيرهم، ليعود اليوم إلى الواجهة بمحطّته السينمائية الجديدة فيلم "بكمة".
ويُسجّل هذا الفيلم حضوره العالمي الأوّل في مهرجان "لوكارنو" السينمائي الدولي، الذي يُعد أحد أعرق منصّات السينما المستقلة وسينما المؤلف في أوروبا. وتأتي هذه المشاركة كخطوة إضافية تُعزّز حضور بوشناق على الساحة الدولية، وتؤكّد على استمرارية تألّق السينما التونسية في كبرى المحافل العالمية، بعد بصمته السابقة في أسبوع النقاد بمهرجان "فينيسيا" بفيلم "دشرة" عام 2018.
"ليس للجميع"..
وعن كواليس العمل، كشف بوشناق أنّ تصوير الفيلم استغرق 14 يومًا فقط. أمّا عن شرارة الفكرة الأولى، فأوضح أنّها وُلدت من موقف واقعي صادم؛ حيث لمح أثناء عودته ليلاً إلى منزله بمنطقة المنزه التاسع شاحنة متوقفة عند الإشارات الضوئية مُحملة بعشرات الكلاب النافقة. وأثار هذا المشهد في نفسه تساؤلات عميقة حول حالة "التطبيع" مع ظاهرة قنص الكلاب، وهو ما شكّل نقطة الانطلاق الأساسيّة للفيلم.
وأوضح بوشناق أنّ فيلم "بكمة" يغوص في أعماق قصص القتلة المتسلسلين، ضمن سياق درامي يمتزج فيه الواقع بالكوابيس. وأكّد على أنّ هذا العمل منحه حرية إبداعية كاملة، لكنها جاءت مقترنة في الوقت ذاته بمسؤولية كبيرة تجاه الجمهور.
وشدّد ضيف "كورنيش" على أنّ الفيلم لا يناسب كافة المشاهدين، قائلاً:"سبق وقلتها عن فيلم دشرة، واليوم أكرّرها بحزم، فيلم بكمة ليس للجميع؛ فهو لا يناسب أصحاب القلوب الحساسة أو الحوامل، نظرًا لما يتضمنه من مشاهد قاسية ومؤثرة".
خلف عدسة الإبداع.. كيف بدأ شغفه وكيف صاغ ذكرياته في أعماله؟
وعن بدايات ولعه بالفنّ السابع، يقول عبد الحميد بوشناق: "كان فيلم عصفور سطح هو الشرارة التي أيقظت في داخلي الرغبة في خوض غمار صناعة الأفلام؛ فمنذ لحظة مشاهدتي الأولى لذلك العمل الذي اعتبرته فيلم الحلم، تمنيت لو كنت جزءًا من طاقمه التمثيلي".
وأضاف بوشناق مستحضرا ذكرياته مع أغنية "ريتك ما نعرف وين"، التي كانت بمثابة بوصلة قادته عبر رحلة طويلة ليعود أخيرًا إلى رحاب الدراما والسينما من خلال أعماله المميّزة مثل "عشاق الدنيا" و"نوبة"..
وفي حديثه عن مسلسل "نوبة"، كشف المخرج عن البعد الشخصي والعاطفي الخفي في العمل، قائلاً: "لقد كان نوبة مساحة حقيقية لأعيش تفاصيل وتجارب لم أتمكّن من خوضها في الواقع، فجسّدت فيه ذكرياتي وكأنني أعيشها مباشرة. لم يكن مُجرّد مسلسل، بل كان بمثابة حنين دائم لأحياء تمنيت لو نشأت فيها، مثل باب سويقة والحلفاوين، حيث عبق الحومة العربي الأصيل".
"ورد أريانة".. حين تصطدم الحرية ببيروقراطية الدعم
وعن فيلمه "ورد أريانة"، الذي كان يطمح من خلاله إلى تقديم رؤية إبداعية بـ"حرية مطلقة"، كشف عبد الحميد بوشناق أنّ المشروع قُوبِل برفض لجنة الدعم "دون أن تُكلّف نفسها عناء مناقشة مضمونه أو الاطّلاع على فحواه". وعلّلت قرارها حينها بأسباب شكلية تمثّلت في "أخطاء في اللغة الفرنسية" ضمن الملف المقدّم.
هذا الموقف دفع بوشناق إلى اتّخاذ قرار حاسم بـ "الاستقلالية"، مؤكّدا بموقف قطعي: "لقد اخترت منذ ذلك الوقت التحرّر من هذه القيود، وأقسمت ألاّ تمتد يدي مجدّدا لتقديم أيّ مطلب دعم لهذه اللجنة".
"مشروع العمر".. في انتظار الدعم
وتحدّث بوشناق عن مشروع درامي ضخم خاص به، يمتد زمنيا من فترة الثلاثينات إلى التسعينات، ويمزج الخيال الفني بالسرد التاريخي. وأكّد على أنّ هذا المسلسل يتطلّب إمكانيات إنتاجية وضخا ماليا كبيرا، مما يجعله في حاجة ماسّة إلى شراكة حقيقية ورعاية مباشرة من سلطات الإشراف ليرى النور.
وعن طبيعة العمل، أوضح المخرج أنّه يطمح لإنتاج مسلسل بمستوى عالمي قابل للتسويق دوليا، مشيرا إلى أنّ شخصيات تاريخية بارزة مثل فرحات حشاد والحبيب بورقيبة ستكون حاضرة في السياق العام للأحداث، دون أن تكون هي المحور الأساسي للقصّة.
ويختتم بوشناق وصفه لهذا المشروع الطموح قائلا: "جوهر هذا العمل هو الغوص في أعماق الهوية التونسية؛ لنروي من خلاله قصّة 'كيف كنّا'، و'كيف كنا نتخيل أنفسنا ومستقبلنا' خلال تلك الحقبات الفاصلة من تاريخنا".
* أمل مناعي