'إلى أمي'.. حكايات طفولة واعترافات مؤثرة من حياة جميلة الشيحي
احتضنت مدينة الثقافة الشاذلي القليبي مساء الثلاثاء 10 مارس 2026، بفضاء مسرح الجهات، العرض ما قبل الأول لمسرحية “إلى أمي” للممثلة التونسية جميلة الشيحي، وهو عمل مسرحي ذاتي كشفت من خلاله الفنانة تفاصيل مؤثرة من حياتها الشخصية، منذ الطفولة وصولا إلى أكثر اللحظات قسوة في مسيرتها الإنسانية، وهي وفاة والدتها.
وتزامن العرض مع ذكرى ميلاد والدتها، مما أضفى على العمل بعدا عاطفيا عميقا جعل الجمهور الحاضر يعيش حالة من التفاعل المتواصل، بين الضحك والبكاء، مع الأحداث والذكريات التي استعادتها الشيحي على الركح.
بدأت المسرحية بمشهد صامت يقطعه رنين هاتف يعلن أن والدها بين الحياة والموت. في تلك اللحظة، تظهر جميلة في حالة من الحزن والارتباك، تخاطب والدها بلهجة ابنة تحاول التمسك بالأمل: تعده بأنها ستعمل وتعوضه وتمنحه راتبها إن لزم الأمر. غير أن هذا المشهد يتحول سريعا إلى استرجاع لذكريات الطفولة، إذ تعود الشخصية إلى زمن كانت فيه طفلة صغيرة، خصوصا وأن والدها توفي عندما كان عمرها عامين، وهي لا تكاد تتذكره، ومن خلال هذا الاسترجاع تنفتح المسرحية على سلسلة من الحكايات والذكريات التي شكلت عالم طفولتها.
فتتحدث عن تفاصيل الحياة اليومية، عن المدرسة، وعن اللحظات التي كانت تفوت فيها الحصص المدرسية بسبب الظروف الصعبة، في وقت لم يصدق بعض الأساتذة أعذارها.
كما تستحضر الشيحي صورا من تضامن المجتمع من حولها، فتروي كيف كان بعض الناس يزورون العائلة حاملين الحلويات والمؤونة. وفي تعليق يحمل بعدا نقديا، تشير إلى “المجتمع المدني” الذي كان يقف إلى جانب العائلات البسيطة، معتبرة أن روح التضامن الشعبي كثيرا ما كانت أقرب إلى الناس من المسؤولين.
وفي أحد المشاهد اللافتة، تتذكر كيف طلب المعلم من التلاميذ كتابة رسالة إلى أمهاتهم على ورقة بيضاء، لتكون رسالتها هي “إلى أمي”، وهي العبارة التي أصبحت عنوان المسرحية ورمزها العاطفي.
كما تستحضر شخصية “سيدي حسن”، الذي كان يحظى باحترام كبير داخل العائلة. ورغم تقديرها له، فإنها تروي كيف كان يمنعها من الذهاب إلى المسرح، في وقت كانت فيه شغوفة بالفن منذ طفولتها، وهو ما يعكس الصراع بين القيود الاجتماعية ورغبتها المبكرة في اعتلاء الركح.
ومن خلال هذه المشاهد، تقدم جميلة الشيحي صورة قوية عن والدتها، التي تصفها بامرأة صلبة لا تخاف الصعاب، امرأة “قلبها قاس لأنها ربيت على الصبر”، كانت تعمل وتكافح من أجل إعالة أبنائها وتوفير ما يحتاجونه من أكل وكساء ودواء، حتى بدت في نظر ابنتها مثالا للقوة والصلابة.
ولا تكتفي المسرحية بسرد الذكريات العائلية، بل تتطرق أيضا إلى محطات مؤلمة من حياة الفنانة، من بينها فقدان طفليها، الرضيعة "وجد " التي توفيت بعد ثلاثة أشهر من ولادتها، وابنها “يوسف” الذي رحل بدوره في سن مبكرة. وقد جسدت هذه اللحظات بمشاهد مؤثرة.
ومن بين اللحظات التي لاقت تفاعلا كبيرا من الجمهور، تلك التي تنتقل فيها الممثلة فجأة من مشهد حزين إلى حديث بسيط عن رغبتها في تناول “كسكسي بالقديد”، في إشارة إلى أن الحياة تستمر رغم الفقدان، وأن الإنسان يواصل العيش رغم الجراح.
كما تكشف جميلة الشيحي في العمل جانبا من شخصيتها كفنانة، حين تعترف بأنها ممثلة قادرة على البكاء فوق الركح بسهولة، لكنها تحتاج في كل مرة إلى استحضار أكثر الذكريات إيلاما في حياتها حتى يكون البكاء صادقا، وبناءً على ذلك تتلقى اتصالا هاتفيا تفهم منه أن والدتها قد توفيت، دون أن يقال ذلك صراحة، إذ يكتشف المتفرج الحقيقة من خلال ردة فعلها الصادمة واللحظات التي تليها من التعزية.
ويبلغ العمل ذروته في المشهد الأخير، حين تخاطب والدتها بكلمات مؤثرة، تعترف فيها بمدى اشتياقها إليها، وتقول إن الرسالة التي كتبتها يوما بعنوان “إلى أمي” كانت مليئة بالكلمات التي لا تقرأ بل تحس. وفي نهاية العرض، تظهر صورة والدتها على الركح، في لحظة صامتة ومؤثرة اختتمت العمل وسط تأثر واضح من الحضور.
غسان عيادي