languageFrançais

حرائق الجيل السادس.. حين تتمرد النيران على غابات العالم

تخوض أجهزة الطوارئ والحماية المدنية في عواصم ومدن عدة حول العالم سباقا محموما ضد ألسنة اللهب التي امتدت في غابات أوروبية وأفريقية وأمريكية، مما أجبر مئات الآلاف من السكان على النزوح وإعلان حالات الطوارئ القصوى. 

حرائق مستعرة تعد أحدث مثال على ما باتت الأوساط العملية والعلمية تطلق عليه اسم "حرائق الجيل السادس"، ولا سيما بعد حرائق بيدروغاو غراندي في البرتغال عام 2017 وحرائق اليونان عام 2018، التي أسفرت كل منها عن أكثر من 100 حالة وفاة. 

"حرائق الجيل السادس".. طاقة حرارية هائلة تخلق طقسها الخاص، وتتجاوز قدرات الإطفاء التقليدية

وحرائق "الجيل السادس" هي حرائق غابات متطرفة وعنيفة للغاية تخلق طقسا ومناخا خاصا بها، وتتميز بسرعة انتشارها الهائلة وصعوبة السيطرة عليها نتيجة موجات الحر والجفاف، وتضرب بشدة حوض البحر الأبيض المتوسط وأوروبا.

إسبانيا.. حرائق قرب العاصمة وخسائر زراعية

تواصل إسبانيا مواجهة واحدة من أكبر الأزمات البيئية هذا الصيف، بعدما أتت الحرائق منذ بداية الموسم على أكثر من 200 ألف هكتار من الغابات والمساحات الطبيعية.

واندلعت الحرائق على مسافة لا تتجاوز 50 كيلومتراً من العاصمة مدريد، وأحرقت منازل وشركات ومركبات في بلدات ريفية، مما دفع الحكومة إلى إعلان حالة الطوارئ.

وقدر "اتحاد صغار المزارعين ومربي الماشية"، الذي يمثل صغار المزارعين ومربي الماشية، الخسائر الأولية بنحو 18,500 هكتار من الأراضي "الصالحة للاستغلال"، ومعظمها مراعي. 

وفي إقليم ثامورا المجاور، تحسنت الأوضاع في حريق أتى على نحو 11 ألف هكتار، ما أتاح إعادة فتح 14 بلدة كانت قد أخليت ورفع القيود المفروضة عليها.

أما بالنسبة لإقليم كاستيون شرق البلاد، فقد جرى احتواء حريق فاي دي أوكسو بعد أن أتى على نحو 10 آلاف هكتار، ما ​سمح لجميع السكان الذين تم إجلاؤهم ​بالعودة إلى منازلهم.

كما جرى احتواء حرائق كبرى في منطقتي مدريد وأفيلا بوسط البلاد، والتي أتت على أكثر من 70 ألف هكتار، رغم إخماد بؤرة ​جديدة قرب خزان سان خوان الجمعة الماضي.

فرنسا: جيروند وبوردو تحت وطأة الحريق

كما واجهت فرنسا واحدا من أصعب مواسم الحرائق خلال السنوات الأخيرة، فقد احترقت أكثر من 116 ألف هكتار منذ بداية الموسم، خاصة في مناطق الجنوب، مما دفع السلطات إلى تنفيذ عمليات إجلاء واسعة.

وفي مقاطعتي "جيروند" و"لاند" المحيطتين بمدينة بوردو، بلغت الأزمة مستويات قياسية، حيث تم إجلاء ما يقارب 300 ألف شخص نحو مراكز إيواء مؤقتة.

وأفادت فرق الإطفاء بتشكل ظاهرة "السحب النارية" (Pyrocumulonimbus)، حيث تسببت شدة الحرارة في توليد دوامات هوائية ورياح خاصة بالحريق جعلت اتجاه النيران عشوائيا وصعب التنبؤ به. 


ظاهرة "السحب النارية" أو السحب الرعدية النارية (Pyrocumulonimbus) هي سحب عاصفة ضخمة تتشكل فوق حرائق الغابات الهائلة، وتتميز بتوليد طقسها الخاص، وإطلاق صواعق البرق، ورياح عاتية تزيد من تفاقم النيران

وتشير التقارير الرسمية إلى أن المساحات التالفة بفعل الحرائق في فرنسا تجاوزت 98 ألف هكتار منذ بداية العام.

وتعد مقاطعة جيروند الفرنسية أحد مراكز صناعات الدفاع والطيران والفضاء. وأجبرت الحرائق شركات، من بينها شركة تصنيع محركات الطائرات "سافران" Safran، وشركة صناعة الطائرات المقاتلة "داسو للطيران" Dassault Aviation، وشركة تصنيع الصواريخ "أريان جروب" ArianeGroup، على تعليق الإنتاج وإجلاء الموظفين.

وتشتهر المنطقة أيضاً بإنتاج النبيذ، وقد نجت مزارع الكروم الشهيرة في بوردو إلى حد كبير حتى الآن، لكن من غير الواضح ما إذا كان تلوث الدخان سيؤدي إلى إتلاف المحصول. كما تضررت تربية المحار في حوض أركاشون، وتواجه السياحة، التي تمثل 7% من الناتج المحلي الإجمالي للمقاطعة، اضطرابات مستمرة.

حرائق الغابات تستعر باليونان

واجتاحت حرائق الغابات، التي أججتها رياح قوية، عدة مناطق في اليونان منذ الأسبوع الماضي، بما في ذلك مناطق قرب أثينا، في وقت تواصل فيه السلطات عمليات واسعة النطاق لمكافحة الحرائق وإجلاء السكان، بينما تدهورت الأوضاع مجددا في أجزاء من ​إسبانيا وفرنسا.

وانسحب أفراد الإطفاء والشرطة والإسعاف ببطء قبل وصول جدار من النار والدخان ابتلع غابات وأشجار قرب بورتو جيرمينو المطلة ‌على خليج كورينث على بعد حوالي 60 كيلومترا شمال غربي العاصمة أثينا.

كما شهدت المنطقة مأساة مزدوجة، حيث اصطدمت طائرتا هليكوبتر لإطفاء الحرائق في اليونان الأحد، أثناء مشاركتهما في السيطرة على حريق غابات ضخم دمر أكثر من 100 منزل شمال غربي أثينا، في حين أدّى اندلاع حريق جديد إلى إجلاء السكان من جزيرة كيفالونيا السياحية الشهيرة.

وحسب موقع المرصد الوطني للمناخ، فإن أكثر من 6500 هكتار دُمّرت في حرائق منفصلة في خليج كورينث، حيث اجتاحت قرية بورتو جيرمينو الساحلية الشهيرة بالقرب من أثينا.

 

البرتغال 

وفي منطقة فوزيلا بوسط البرتغال، واصل أكثر من 1200 رجل إطفاء، مدعومين بنحو 400 آلية و15 طائرة، جهود إخماد حريق اندلع الخميس الماضي، وفقاً لهيئة الحماية المدنية البرتغالية.

وأظهرت بيانات وكالة "كوبرنيكوس" التابعة للاتحاد الأوروبي لرصد الأرض بالأقمار الاصطناعية أن الحريق أتى، حتى الأحد، على نحو 12 ألف هكتار، أي ما يعادل 30 ألف فدان.

وقالت آلية الحماية المدنية والمساعدات الإنسانية التابعة للاتحاد الأوروبي إن إسبانيا أرسلت، الجمعة، 120 رجل إطفاء و45 مركبة لدعم جهود الإخماد في البرتغال، فيما دفعت كل من إسبانيا وإيطاليا بثلاث طائرات مخصصة لمكافحة الحرائق.

 


ألمانيا: حرائق الغابات تخرج عن السيطرة في الجنوب

واندلع حريق في غابة بالقرب من فرويدنبرغ في منطقة بالاتينات العليا في بافاريا جنوب ألمانيا، وتم نشر نحو 330 من أفراد الطوارئ لمكافحة الحريق.

وقالت سلطة منطقة منطقة أمبرغ سولزباخ، في وقت متأخر من الجمعة الماضي، إن الحريق خرج عن نطاق السيطرة بسبب الرياح القوية.

وتسببت صعوبة التضاريس في تنفيذ جهود مكافحة الحرائق سيرا على الأقدام فقط، بينما كانت العواصف الرعدية تعيق العمليات.
 

 

 

كندا.. مئات الحرائق المشتعلة 

بعيدًا عن أوروبا، تواجه كندا موسما استثنائيا من الحرائق، حيث لا تزال مئات الحرائق مشتعلة في عدد من المقاطعات.

وتجاوزت المساحات التي التهمتها النيران 3.7 ملايين هكتار منذ بداية الموسم، بينما تواصل السلطات إصدار أوامر الإجلاء في عدد من المناطق، وسط تحذيرات من أن الظروف المناخية الحالية قد تؤدي إلى استمرار موسم الحرائق خلال الأسابيع المقبلة.

الولايات المتحدة الأمريكية

وفي الولايات المتحدة الأمريكية، قال مسؤولون في واشنطن إن حرائق الغابات، التي اجتاحت أكثر من ربع مليون فدان (حوالي 105 ألاف هكتار) في الولاية، أدت إلى عمليات إجلاء واسعة النطاق وانقطاعات في التيار الكهربائي في منطقة سبوكان.

كما أعلن الحاكم بوب فيرغسون حالة الطوارئ على مستوى ولاية واشنطن وحظر إشعال النيران نهاية الأسبوع المنقضي.

وقالت رئيسة البلدية ليزا براون إنه تم إخلاء بعض المنشآت الرئيسية في سبوكان، بما في ذلك محطات معالجة المياه ومحطة لتوليد الطاقة من النفايات ومستشفى تابع لوزارة شؤون المحاربين القدامى، فيما ذكرت شركة المرافق العامة التي تخدم شرق ولاية الولاية أن 60 ألف شخص يعانون من انقطاع التيار الكهربائي.


تقديرات أولية بخسائر تتجاوز 3 مليارات دولار لحرائق الغابات وموجات الحر في أوروبا


لقد تسببت حرائق الغابات وموجات الحرارة التي اجتاحت فرنسا وإسبانيا، وأجزاء أخرى من أوروبا في خسائر تجاوزت بالفعل 3 مليارات أورو هذا العام، وفق تحليل أجرته صحيفة "فاينانشيال تايمز"..

واحترق ما يقارب نصف مليون هكتار خلال الشهرين الأولين من موسم الحرائق، مما خلّف خسائر اقتصادية تُقدّر بـ3.1 مليار أورو في الدول الخمس الأكثر تضرراً في منطقة اليورو فقط، وبينها البرتغال واليونان ورومانيا، حسب تقرير لموقع ''الشرق''.

ويتجاوز هذا الرقم بفارق كبير تقديرات المفوضية الأوروبية التي تشير إلى أن متوسط الأثر السنوي على الاتحاد الأوروبي بأكمله يبلغ 2.5 مليار أورو.

حرائق الغابات وتبعات التغير المناخي

لقد شهدت منظومة حرائق الغابات في حوض البحر الأبيض المتوسط تحولا بنيويا خلال العقدين الماضيين، إذ تجاوزت حدود الظواهر الموسمية الاعتيادية لتتحول إلى أزمات متكررة وأشد ضراوة. 

ويعود هذا التفاقم بشكل مباشر إلى تبعات التغير المناخي، الذي انعكس في ارتفاع غير مسبوق لدرجات الحرارة، وتتابع فترات الجفاف الطويلة، مما أدى إلى تراجع رطوبة الغطاء النباتي ورفع درجة جاهزيته للاشتعال.

 

(مواقع إخبارية+وكالات)