في جلسة نسائية جدا، هلاّ علمت نجلاء بودن عن أمل التونسيات فيها...

هلاّ علمت نجلاء بودن عن أمل التونسيات فيها؟

*مقال رأي

 

يومان فقط بعد تكليفكِ بتشكيل الحكومة، ذهبتُ إلى جلسة ''نسائية'' جدا، وخضتُ حوارا سياسيا عميقا مع سيدة تُعيل مراهقيْن وطفلة، وفوجئت كثيرا بحجم التفاؤل لدى إمرأة أربعينية لم تكمل دراستها، وتسكن شقة تفتقد لأغلب مقوّمات الحياة الكريمة.. ''مفيدة'' كانت واثقة فيكِ كثيرا، وواثقة في المستقبل ومتفائلة، بشكل أربكني.

لا بدّ أنكِ يا سيدتي رئيسة الحكومة المكلّفة، تعرفين آلامنا الكثيرة، نحن النساء في هذا البلد. لستِ تعرفينها فقط فلا بدّ أنكِ قد ذُقتها وما زلتِ.. ففيما كان القومُ منشغلين بسعر حذائك ''الشانال''، كنتُ أقوم في ضيافة هذه السيدة بجلسة نزع شعر، في منزلها، على أريكة أعدّتها لذلك. وفي طريقي طالني رذاذ سباب رجل أزعجه أنني أقود سيارتي دون تجاوز السرعة القانونية، وصفني بالأتان، لكنه لم يأنّث الحمار بشكل صحيح. لا بدّ أنّكِ تعرّضتِ إلى مواقف مشابهة كثيرة.. تعرفين سيدتي رئيسة الحكومة كيف هو الوضع في الطريق مع رجالنا الذين نزعجهم نحن النساء بغبائنا وراء المقود، ويرتكبون هم أكبر نسبة من الحوادث الخطيرة والقاتلة.

مفيدة كانت إمرأة شديدة الدقة والتفاني في عملها، لا تترككِ تخرجين بشعرة واحدة في جسدكِ كما دخلت بها عليها، كان الأمر بالنسبة إليها مسألة شرفٍ مهنيّ.. لا بدّ أنك عشتِ كثيرا عذابات هذا ''الطّقس'' المفروض علينا نحن النساء حتى نبدو لهذا العالم جميلات ونظيفات.. تخيّلتُ للحظة أنكِ تجرأتِ يوم تكليفك وذهبتِ لرئيس الجمهورية بشعر رجلين غير منتوف.. كيف كان سيكون حال البلد بعدها؟

ومفيدة المرأة الأربعينية الكادحة، تقطن غير بعيد عن قلب العاصمة في حيّ يُنسَب إلى الطبقة ''المتوسّطة''. لكن يبدو أن الفقر زحف حتى على هذه الأحياء كما زحف على طبقته التي تآكلت.

تبدو العمارة من الخارج عادية، غير جميلة، وحال دخولها يُصيبك مباشرة الغثيان بسبب رائحة مياه آسنة منبعثة من مكان ما.. أغلب الشقق بلا أبواب وأغلب النوافذ المكسورة عُوّض بلّورها بقطع ''بلاستك''.. اشتكت لي غلاء الأسعار فوجدتني أشتكي الأمر مثلها... حدّثتني عن اشتهائها منذ أيام العنب وعن شرائها ''عنقودا'' صغيرا منه بما يُقارب الخمسة دنانير.. ثم عن عدولها عن أكله حين وصلت به البيت، تركته لأبنائها الذين تقاسموه وأنهوه في ثوان... اشتكيت لها بدوري عزوفي منذ زمن لم أعد أذكره، عن شراء اللحم، وشعرت بأنها لم تُصدّقني. لكنها واصلت الشكوى ''البركة مشات.. كنا سابقا ننزل وفي الجيب عشرة دنانير ونعود مثقلين بقفة الخضر والغلال.. هذا مبلغ لا يمكّن اليوم من شراء نوعيْ غلال.. كنا شبعانين في كروشنا رغم كل شيء.. الله لا تربح أولاد الحرام''.

أخذتنا شجون الحديث من الشكوى، إلى الرجال و''نذالتهم'' ومنهم إلى النساء... عندئذ، كشفت لي مفيدة عن جانبها المُشرق تفاؤلا : ''صدّقيني، هذه البلاد بنسائها.. سترين ما سيحدث بعد تعيين نجلاء..'' سألتها متحمّسة: ''أ تعرفينها؟ لأن لا أحد يعرفها حقّا في نهاية الأمر...'' أجابتني ضاحكة : ''أعرف أنها خاضت آلام الحمل والمخاض.. أعرف أنها أمّ وربّة عائلة.. أليست أستاذة؟ الأساتذة محترمون وشخصيتهم قوية...''. 

لم أحاول مناقشتها، قلت بدوري إن الأمر مفرح، ''إمرأة تونسية في القصبة رغم كل هذا الخراب..خبر مفرح رغم كل شيء''.

لم يُعجبها تعليقي. فاستأنفت حديثها في حماس أدّى إلى حركة نتف للشعر آلمتني ''ستار عليك.. يجب أن تسعدي كثيرا لهذا، إن لم تصلح النساء البلاد فمن سيُصلحها؟ يقولون أن قيس سعيد يجمّل بها صورته... هذا كذب وافتراء. هل رأيت يوما إمرأة تونسية تُزيّن محفلا ما؟ هل رأيت زوجة تونسية تجلس جميلة مستكينة صامتة ولا تقوم بأي واجبات وتضحيات؟ إني لا أرى غير المُجاهدات القويات اللاتي يحملن البيوت والهموم على أكتافهن بلا تعب ولا شكوى... جارتي التي تقطن أمامي، زوجها سكير يضربها كل يوم ويفتكّ منها ما يصل إليها من نقود، ينام نهارا ويسكر ليلا بعد أن كان سائق تاكسي وطرده صاحب السيارة لأنه ارتكب حادثا وعاد بها حطاما... أتعلمين ماذا تعمل؟ إنها معينة منزلية وتصنع الحلويات وتخيط الملابس أيضا... تخيّلي أنها تقضي يومها بين هذه المهن الثلاث بلا تعب حتى تُدرّس طفليها وحتى لا ينقصهما شيء''.

فعلا، قيل الكثير في تعيين نجلاء بودن رئيسة الحكومة. قيل إنها ''زينة'' وقيل إنها مناورة من رئيس الجمهورية حتى يُحرج خصومه ويُتهموا إن رفضوا تعيينها بـ''الميزوجينية''. قيل إنها ستكون مجرّد ''دمية'' يحركها سعيد من قرطاج وإنها بلا صلاحيات ولا قرار... قيل إنها ''صديقة زوجته''، كما قيل في الآخر إنها ''مسمامة''... وقال "الآخرون" في المقابل إنه قرار تاريخي غير مسبوق في العالم العربي، وإنه انتصار للمرأة التونسية، فهلّلوا له كثيرا...

مفيدة لم تستمع لكل هذا، لم تقرأ تدوينات السياسيين بمختلف مشاربهم، لكنها مؤمنة إيمانا قويا بأن نجلاء ستصلح كل شيء.

وعدت إلى ما تعانيه جارة مفيدة من زوجها السكير المتواكل، متسائلة : ''لم لا تشتكيه للأمن؟ ثمة وحدة لمكافحة العنف ضد المرأة اليوم..'' ابتسمت ساخرة ''وثمة 'الرشوة' يا إبنتي.. وهي فعّالة في أي مركز أمن، مهما كان إسمه ومكانه، كما أن هناك الانحياز للرجل". صمتُّ...واستدركت مفيدة ''سيتغيّر الوضع اليوم، فرئيس المركز سيخاف كلما أتته إمرأة معنّفة... سيتذكّر رئيسة الحكومة فيطبّق القانون''. عقّبت في سري ''أو سيتذكّر أن البلاد تحكمها إمرأة فيحنق أكثر ويتشفّى في المعنّفات''.

تابعت ''هذا مثال لنساء كثيرات أعرفهن شخصيا.. حقيقة، لو استسلمت المرأة واستكانت، لكان الوضع أسوأ بكثير.. المرأة التونسية قوية و''حقّانية''.. نجلاء ستكون كذلك.. ألم تري الوقار على محياها و''الريشة'' في هيئتها؟ قيس سعيد بحث طويلا وسأل كثيرا قبل أن يُعيّنها.. هو يعرف آش يعمل... سترين'' .

تساءلتُ ''أوتظنين أن الِقفاف ستمتلئ من جديد؟'' نظرت إليّ حائرة لثوان ثم أجابت : ''ليس الأمر كن فيكون.. أمامها عمل كثير، أمامها ملفات فساد في كل الإدارات والمؤسسات.. ستكنس ''السرّاق''  ثم ستبدأ في العمل ''الصحيح''.. وإن لم نشجعها نحن النساء فمن سيفعل؟ يجب أن نكون متضامنات، هذه فرصة البلاد وفرصتنا، رجل نظيف وإمرأة قوية..''

خرجت يومها من منزل ''مفيدة'' بلا شعرة واحدة وبأسئلة كثيرة حول نساء تونس. من أين يأتين بكل هذا التفاؤل وبهذه الثقة؟ كيف لإمرأة تستيقظ على روائح آسنة وصراخ جارتها التي يعنّفها زوجها كل يوم، في منزل لا ماء ساخن فيه ولا مرآة في حمامه، في مسؤوليتها ثلاثة أبناء، كُبْراهم رسبت لسنوات عديدة وتُريد هاتفا جديدا، وأمامها فواتير مكدّسة وثلاجة شبه فارغة، وإبنتها الصغرى لم تستكمل شراء كتبها.. وهي قادرة على الابتسام في وجه زبوناتها جميعهن، وقادرة على نزع الشعر بتفانِ لا مثيل له، وتثق كثيرا في رئيسة الحكومة التي لم تتكلم بعد..

وبعد تفكير، قلت لنفسي إن لـ''مفيدة'' النامصة و''نجلاء'' رئيسة الحكومة نقطة مشتركة، فكلتاهما مغضوب عليهما بسبب عملهما ممن لا يزالون متعلقين بمن يستشهدون دائما :''لعن الله النامصة والمتنمصة'' و''لن يُفْلِحَ قَوْمٌ وَلَّوْا أَمْرَهُمْ امْرَأَةً''.. فهل تُثبت نجلاء بودن تفاهة لعنتهم وافتراءهم وأن التونسية إن رامت العُلى طالته؟

 

أمل الهذيلي