بعد قرار إخلائه الفوري.. قصة مبنى 'قبة الهواء' بالمرسى؟
على ضفاف البحر بالضاحية الشمالية بالمرسى، يقف مبنى ''قبة الهواء'' كذاكرة حيّة تختزل تاريخ مدينة كاملة وتحوّلاتها عبر الزمن، ورغم ما يحمله المبنى من قيمة معمارية وتاريخية، باعتباره واحدا من أبرز رموز العاصمة وكان وجهة مفضلة للاصطياف، فقد أصبح اليوم يمثل خطرا على السلامة العامة بسبب حالته المتداعية واحتمال انهياره، وهو ما دفع بلدية المرسى إلى إصدار قرار بالإخلاء الفوري.
شُيّد هذا المبنى في بدايات القرن العشرين، وتحديدا حوالي سنة 1920، بأمر من أحد أفراد الأسرة الحسينية أو أحد المقرّبين من الديوان الملكي، ليكون مصيفا صغيرا مخصصا للاستجمام والراحة ''مصيف الباي''. وقد عكس منذ نشأته طبيعة الحياة الأرستقراطية آنذاك، حيث ارتبط بوظائف ترفيهية ونخبوية.

هندسة فريدة على حافة البحر وصمود في وجه الزمن
ويتميّز مبنى ''قبة الهواء'' بموقعه الفريد، إذ بُني على حافة البحر بل متوغلا فيه، مما أكسبه طابعا جماليا خاصا. كما تتجلى خصوصيته في هندسته البسيطة والمتناغمة في شكل هيكل مستطيل مرتفع قليلًا عن مستوى البحر، تعلوه قبة دائرية بيضاء تمنحه اسمه، ونوافذ موزّعة بانسجام تسمح بدخول الضوء الطبيعي من مختلف الجهات، إلى جانب طلاء خارجي بالجير الأبيض ينسجم مع المعمار الساحلي التونسي. ويعكس هذا الأسلوب المعماري مزيجا بين الطراز الفرنسي والروح المتوسطية المحلية، ليجعل من المبنى قطعة فنية قائمة بذاتها.

فترة ما بعد الاستقلال
بعد الاستقلال وإعلان الجمهورية سنة 1957، تغيّرت وضعية المبنى، شأنه شأن العديد من القصور الملكية التي آلت إلى الدولة، قبل أن يتم استغلاله في أنشطة ترفيهية وسياحية. فقد تحوّل إلى مقهى ومطعم شعبي يرتاده زوّار الشاطئ، خاصة في فصل الصيف، وعُرف لاحقًا باسم ''كازينو المرسى''، حيث احتضن أحيانا أمسيات ثقافية وسهرات موسيقية، مما عزز حضوره في الذاكرة الجماعية.
غير أنّ هذا المعلم، ورغم شعبيته، لم يحظَ بالعناية اللازمة، ما أدى إلى تدهور حالته مع مرور الزمن. فقد ساهمت عوامل طبيعية مثل الرطوبة وملوحة البحر، إلى جانب غياب الصيانة المنتظمة، في إلحاق أضرار جسيمة به، تمثّلت في تشققات بالجدران والأساسات، وتآكل ركائزه البحرية.

وفي مارس 2023، أعلنت وزارة الشؤون الثقافية تصنيف المبنى ضمن المعالم التراثية، وهو ما يضمن حمايته قانونيا من الهدم أو التغيير العشوائي. غير أن وضعيته ازدادت خطورة، حيث أكد تقرير فني أُنجز بتاريخ 22 أفريل 2026 من قبل خبير عدلي مهندس مدني أنّ البناية أصبحت مهددة بالانهيار، مما دفع بلدية المرسى إلى اتخاذ قرار إخلائها فورا حفاظا على السلامة العامة.
ورغم مظاهر التآكل والإهمال، بقي ''قبة الهواء'' صامدا لعقود، يقاوم قسوة الطبيعة وتقلبات الزمن، كأنه ينتظر لحظة إنقاذ تعيد إليه اعتباره. فهو ليس مجرد مبنى متداعٍ، بل جزء من هوية المرسى وذاكرتها الجماعية، وشاهدا على مرحلة مهمة من تاريخ تونس الحديث.