صداقة وعداء.. وجهان للذكاء الاصطناعي في علاقته بالبيئة
This browser does not support the video element.
بات استخدام الذكاء الاصطناعي من البديهيات في مختلف مجالات الحياة، بالنظر إلى التطوّر الهائل لهذه التكنولوجيا، خاصة في السنوات الأخيرة، ولا سيما في ما يتعلّق بالذكاء الاصطناعي التوليدي. ففي التعليم والطب والصناعات العسكرية والميكانيكية وغيرها، أصبح الذكاء الاصطناعي عنصرا أساسيا، وكذلك في مجال البيئة والمناخ، حيث يمكن أن يساعد على التوقي من الكوارث ومساندة الدول في اتخاذ القرارات والإجراءات الملائمة لاستباق الكوارث الطبيعية وحماية البيئة، رغم أنّ الذكاء الاصطناعي قد لا يكون صديقا مخلصا للبيئة على الإطلاق.
ويؤكّد الخبير العالمي في مجالي الطاقة والبيئة، سامي بن رجب، الذي حلّ ضيفا على برنامج "فريكانس إيكولو"، الجمعة 30 جانفي 2026، أنّه يمكن الاستفادة من الذكاء الاصطناعي في ظلّ التقدّم الهائل المحرز، خاصة لما يتمتّع به من إمكانيات غير محدودة مقارنة بمحدودية الذكاء البشري.
وتكمن الجوانب الإيجابية، بحسب بن رجب، لاستخدام الذكاء الاصطناعي في استشعار الكوارث البيئية المحتملة، وتحديد مكانها وتوقيت حدوثها، وتوقّع مداها، وذلك بفضل ما يتمّ تزويده به من بيانات من خلال مراكز البيانات (Data Centers) العملاقة، ولا سيما لما تتمتّع به من قدرات على تحليل المعطيات واتخاذ القرارات المناسبة بأكبر قدر ممكن من الدقّة.
وبناء على هذه التوقّعات، يمكن للحكومات اتخاذ القرارات الأكثر ملاءمة لاستباق هذه الكوارث وتفاديها، أو على الأقل الحدّ من آثارها السلبية. وينسحب الأمر ذاته على مختلف الإشكاليات البيئية التي تواجه البشرية، والتي يمكن للذكاء الاصطناعي أن يكون فيها عونا للإنسان لحماية بيئته، أو على الأقل الحدّ من تدهورها، في ظلّ التغيّر المناخي الذي يشهده العالم.
الذكاء الاصطناعي نهم طاقيا..
غير أنّ هذا الجانب الإيجابي لا يجب أن يحجب الجانب السلبي، إذ يقول بن رجب في هذا السياق إنّ الذكاء الاصطناعي يعتمد بالأساس على مراكز البيانات الضخمة التي تستهلك كميات هائلة من الكهرباء المنتجة من الطاقات الأحفورية (النفط والغاز)، وهو ما يساهم في تفاقم ظاهرة الاحتباس الحراري.
ويشير ضيف "فريكانس إيكولو" إلى أنّ مراكز البيانات تستأثر بما يعادل 1.5 بالمائة من الإنتاج العالمي للكهرباء، وهو ما يوازي إجمالي استهلاك الولايات المتحدة من الكهرباء، ومن المتوقّع أن يتطوّر هذا الرقم بحلول سنة 2030 ليعادل كامل استهلاك الولايات المتحدة ودول الاتحاد الأوروبي مجتمعة.
كما تستنزف مراكز البيانات كميات ضخمة من الموارد المائية التي تُستخدم في عمليات تبريد الحواسيب العملاقة.
وكلّ ذلك يضع العالم أمام تحديات كبرى لتوفير طاقة نظيفة وصديقة للبيئة، وتسعى فيه الشركات الكبرى إلى توليد طاقة نظيفة لتشغيل مراكز بياناتها.
وتحثّ بعض الدول التي تعوّل على الاستثمار في مجال التكنولوجيا ومراكز البيانات، مثل إيرلندا، الشركات على إنتاج الطاقة التي تحتاجها بنفسها، حتى لا تستنزف الطاقة المنتجة محليا، والتي تحتاجها البلاد لتلبية حاجيات السكان والقطاعات الحيوية فيها.
فرصة لا يجب التفويت فيها
ومهما يكن من أمر، يشدّد سامي بن رجب على أنّ الذكاء الاصطناعي يمثّل فرصة تاريخية لتونس وغيرها من الدول النامية لا يجب التفويت فيها، مثلما فوّتت فرصة الثورة الصناعية، والتي ما تزال هذه الدول تعاني من تداعياتها إلى اليوم، من تأخّر تكنولوجي وتبعية للدول المتقدّمة.
غير أنّه أكّد ضرورة إرساء استراتيجية وطنية للذكاء الاصطناعي، نظرا لثقة المستثمرين في هذا المجال في الدول التي تطوّر استراتيجيات خاصة بها، مشيرا إلى أنّ تونس بصدد إعداد استراتيجية للذكاء الاصطناعي، ومتوقّعا أن يتمّ إطلاقها قريبا.
ويعتبر سامي بن رجب أنّ تونس قادرة على رفع هذا التحدّي، خاصة في ظلّ وجود مثال رائد في هذا المجال، يتمثّل في شركة "إنستاديب" التي بعثها تونسيان، وأصبحت رقما صعبا في عالم الذكاء الاصطناعي على المستوى العالمي، بعد استحواذ شركة "بيونتك" الألمانية عليها في صفقة بلغت قيمتها 500 مليون أورو.
ويشير بن رجب إلى أنّه بإمكان تونس الاستفادة من الذكاء الاصطناعي في مجالات متعدّدة، خاصة مع توفّر كفاءات بشرية عالية التكوين.
شكري اللّجمي