languageFrançais

ميادة الحناوي ومحمد خيري يكتبان ليلة الطرب في قرطاج

صدحت "أنا بعشقك".. فانتشى الجمهور، واستحال مسرح قرطاج كورالا كبيرا يردّد كلمات الأغنية التي سكنت الذاكرة العربية لعقود مؤكّدا أنّ ميادة الحناوي لم تعد لتغني وحدها تلك الليلة، بل كان قرطاج بجمهوره يغني معها، يستعيد مقاطع يعرفها القلب قبل اللسان، ومعلنا أن بعض الأصوات لا تغيب مهما طال الزمن.

فبعد 21 سنة من آخر وقوف لها على الركح الأثري، عادت "مطربة الجيل" إلى قرطاج محمّلة بتاريخ من الأحاسيس والألحان، لتثبت أن الطرب الحقيقي لا يشيخ، وأن الأغنية التي تُبنى على جمال الكلمة وثراء اللحن تظل قادرة على عبور الأجيال.

وكانت عودة ميادة الحناوي إلى مهرجان قرطاج الدولي، في دورته الستين، أشبه بعودة فصل من فصول الأغنية العربية الأصيلة إلى مكانه الطبيعي. صوتها الذي ارتبط منذ سبعينيات القرن الماضي بأجمل قصائد الحب والحنين، حلّ من جديد في فضاء احتفظ بأصوات خالدة مرّت من هنا، وجعلت من قرطاج عنوانا للذاكرة الموسيقية العربية.

ومنذ اللحظة الأولى لصعودها على الركح، بدا واضحا أن الجمهور لم يكن ينتظر حفلا عاديا، بل كان ينتظر لقاء مع زمن كامل.. زمن محمد عبد الوهاب، والكلمة الراقية، والجملة الموسيقية التي تمنح الأغنية عمرا أطول من أصحابها.

وفتحت ميادة، بقيادة المايسترو التونسي يوسف بالهاني، صندوقها الثري، وغاصت في رصيد صنع مجدها، من "أنا مخلصالك" إلى "الحب اللي كان" و"فاتت سنة"، وصولا إلى "أنا بعشقك" التي تحولت إلى لحظة جماعية نادرة، ذاب فيها الفاصل بين الفنانة والجمهور. فكانت كل أغنية حكاية، وكل نغمة استعادة لمرحلة كانت فيها الأغنية العربية مساحة للبوح والجمال، لا مجرد لحظة عابرة. فميادة الحناوي لم تكن تغني الماضي، بل كانت تمنحه حياة جديدة فوق ركح قرطاج.

وقبل أن تفتح ميادة الحناوي صفحات ذاكرتها الغنائية، كان محمد خيري قد مهّد الطريق لصوت الطرب السوري، حاملا معه عبق القدود الحلبية وروح مدرسة موسيقية لا تزال تقاوم النسيان. ففي الجزء الأول من السهرة، صعد الفنان السوري إلى مسرح قرطاج لا ليقدم مجرد عرض غنائي، بل جاء حاملا أمانة تراث طويل، ومقدما نفسه لجمهور أحد أعرق المسارح العربية. وكان اختياره لهذا الركح لإطلاق عمله الجديد "وجهة نظر" لحظة تحمل رمزية خاصة، إذ التقى الجديد بإرث يمتد لعقود.

وعلى إيقاع "لما بدا يتثنى"، أخذ الفنان السوري الجمهور في رحلة بين المقامات والألحان، حيث للكلمة هيبتها، وللنغمة سحرها، وللصوت قدرة على إعادة تشكيل اللحظة. كان أداؤه هادئا وواثقا، يراهن على جمال المادة الموسيقية لا على بهرجة العرض، وعلى قوة الإحساس لا على الاستعراض.

وتنقل محمد خيري بين روائع الطرب العربي، مستحضرا ظلال كبار تركوا بصمتهم في الذاكرة، من أم كلثوم إلى صباح فخري وسيد مكاوي، وكأنه ينسج جسرا بين أجيال مختلفة جمعتها لغة واحدة: لغة الطرب.

وفي المدارج، كان الإنصات سيد الموقف. جمهور قرطاج تابع صوتا يعرف كيف يصغي إلى تفاصيل المقام، وكيف يتجول بين القدود الحلبية دون افتعال، بقيادة المايسترو مازن زوايدي، في انسجام أعاد للأغنية مكانتها الأولى.

ومع "قدك المياس" و"آه يا حلو" و"سيبوني يا ناس" و"هيمتني"، تحولت السهرة إلى استعادة لزمن كانت فيه الأغنية العربية تختزن الحكاية والصورة والشجن. كلمات قديمة، لكنها بدت طازجة فوق ركح قرطاج، لأنها تنتمي إلى زمن لا يفقد بريقه. فكان محمد خيري في ظهوره الأول على المسرح الأثري أكثر من صوت شاب يحمل التراث؛ كان امتدادا لذاكرة موسيقية سورية عريقة، وبرهانا على أن القدود الحلبية ما تزال قادرة على ملامسة وجدان جمهور اليوم.

وهكذا اكتملت صورة السهرة السورية في قرطاج: ميادة الحناوي بصوتها الذي اختصر عقودا من العشق والحنين، ومحمد خيري بصوت يحمل شعلة القدود الحلبية نحو المستقبل.. في ليلة عاد فيها الطرب ليؤكد أن بعض الفنون لا تعيش في الماضي، بل تصنع حاضرها كلما وجدت من ينصت إليها.

الواثق بالله شاكير