'دوليشة'.. نزهة بثينة نابولي بين ذاكرة الأغنية التونسية وأحلام الغد
لم تكن سهرة بثينة نابولي في مهرجان الحمامات الدولي مجرد حفل غنائي، بل كانت رحلة موسيقية حملت الجمهور في "دوليشة" بين الأزقة العتيقة للذاكرة التونسية، حيث تتعانق روائع الزمن الجميل مع نبض جيل جديد يبحث عن صوته الخاص. رحلة بدأت بخطوة فنانة تخوض للمرة الأولى مغامرة عرض يحمل هويتها الكاملة، وانتهت بتصفيق طويل أعلن ميلاد مرحلة جديدة في مسيرتها الفنية.
واختارت بثينة نابولي أن تكتب فصلا مختلفًا من حكايتها على مسرح الهواء الطلق بالحمامات، مساء الاثنين 3 أوت، وأمام مدرجات امتلأت عن آخرها. فـ"دوليشة" ليس مجرد عنوان لحفل أو ألبوم، بل رؤية فنية متكاملة تنطلق من كلمة تونسية بسيطة تشير إلى "النزهة القصيرة" أو "المشوار الخفيف"، لتتحول إلى دعوة لاكتشاف مدينة كاملة من الذكريات والألحان.
ومنذ اللحظات الأولى، بدا واضحا أن العرض لا يقوم على تتابع الأغاني بقدر ما يراهن على بناء حكاية موسيقية. فكل محطة كانت تقود إلى أخرى، وكل أغنية تفتح بابا على زمن مختلف، في تنقل سلس بين الإنتاج الجديد وكنوز الأغنية التونسية التي لا تزال حاضرة في الوجدان الجماعي.
وتوزعت فقرات السهرة بين أغنيات الألبوم الجديد، من بينها "دوليشة" و"ناس تخاف من الحب" و"القلب اختار"، قبل أن تفتح بثينة نافذة واسعة على التراث، مستحضرة أعمالا خالدة مثل "عرضوني" و"آه ودعوني" و"خليلة" لصليحة، و"الوردة" لحبيب الشنكاوي، و"ارضى علينا" للراجل صالح الفرزيط، إلى جانب روائع لطفي بوشناق "نساية" و"حلق الواد" و"ريتك ما نعرف وين"، ولم تغفل كوكب الشرق أم كلثوم، فأهدت الجمهور مقطعا من "أنا في انتظارك"، في لحظة امتزج فيها الحنين بالإبداع المعاصر في تواصل مع الروح التونسيّة فالأغنية التي سلطنت جمهور الحمامات من كلمات بيرم التونسي.
ومنح هذا التوازن بين الوفاء للموروث والرغبة في تقديم صوت جديد "دوليشة" خصوصيته، فلم يكن العرض أسير النوستالجيا، كما لم يقطع صلته بالجذور، بل حاول أن يبني جسرا بين الماضي والمستقبل، في انسجام مع شعار الدورة الستين لمهرجان الحمامات الدولي: "ذاكرة تعيش".
وجاء المشروع ثمرة تعاون جمع بثينة نابولي بالشاعرة سيرين الشكيلي والملحن قيس المليتي، حيث استلهم الثلاثي تفاصيل المدينة العتيقة، بما تختزنه من ذاكرة يومية وحكايات إنسانية، ليعيدوا صياغتها في قالب موسيقي معاصر يحافظ على روح المكان ويمنحه لغة جديدة.
ولم تخف بثينة نابولي تأثرها بهذه الأمسية. ففي الندوة الصحفية، وصفتها بأنها الليلة الأهم في حياتها الفنية، لأنها تمثل أول عرض يحمل مشروعها الشخصي بالكامل. كما أكدت أن حضور والدتها بين الجمهور منحها شعورًا استثنائيًا، مضيفة أن "دوليشة" لم يولد وفق خطة إنتاج مسبقة، بل نما تدريجيًا مع كل أغنية، حتى اكتملت ملامحه الفنية بفضل التعاون مع سيرين الشكيلي وقيس المليتي.
وجاءت هذه المحطة بعد سنوات من الحضور المتصاعد للفنانة، التي رسخت مكانتها كأحد أبرز الأصوات الشابة في الساحة الموسيقية التونسية، خصوصا بعد تتويجها بجائزة الجمهور في مهرجان الأغنية التونسية سنة 2025.
"دوليشة" لم يكن مجرد عرض افتتاحي لمشروع جديد، بل إعلانا واضحا عن ولادة هوية فنية أكثر نضجا، اختارت أن تبدأ رحلتها من الذاكرة، لا لتقيم فيها، بل لتتخذها نقطة انطلاق نحو مستقبل موسيقي يحمل بصمة بثينة نابولي الخاصة.
الواثق بالله شاكير