دراسة تكشف ارتباط مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي بارتفاع درجات الحرارة
في الوقت الذي يتسابق فيه العالم لتطوير تقنيات الذكاء الاصطناعي، تكشف دراسة علمية حديثة عن تحدٍ بيئي جديد قد يرافق هذه الثورة الرقمية، يتمثل في التأثير الحراري المتزايد لمراكز البيانات التي تشكل العمود الفقري لتطبيقات الذكاء الاصطناعي.
فقد توصلت دراسة بحثية حديثة إلى أن مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي قد تسهم في رفع درجات حرارة سطح الأرض في المناطق المحيطة بها، نتيجة الكميات الضخمة من الحرارة المنبعثة من الخوادم فائقة الأداء وأنظمة التبريد التي تعمل على مدار الساعة، وهو ما قد يضيف بعدًا جديدًا للنقاش العالمي حول الاستدامة البيئية للتقنيات الرقمية.
الدراسة، التي حملت عنوان "The Data Heat Island Effect: Quantifying the Impact of AI Data Centers in a Warming World"، أعدها الباحث Alessandro Marinoni وفريق من الباحثين الدوليين، ونُشرت في مارس 2026 على منصة arXiv المتخصصة في نشر الأبحاث العلمية الأولية قبل مراجعة الأقران.
ظاهرة جديدة... "جزيرة الحرارة الرقمية"
اعتمد الباحثون على تحليل بيانات درجات حرارة سطح الأرض الملتقطة عبر الأقمار الصناعية، وربطها بمواقع آلاف مراكز البيانات المنتشرة حول العالم خلال الفترة من 2004 إلى 2024.
وأظهرت النتائج أن المناطق المحيطة بمراكز البيانات سجلت ارتفاعًا متوسطه 2.07 درجة مئوية في حرارة سطح الأرض مقارنة بالمناطق المجاورة، بينما امتد التأثير الحراري في بعض الحالات إلى مسافة تقارب 10 كيلومترات.
وأطلق الباحثون على هذه الظاهرة اسم "جزيرة الحرارة الناتجة عن البيانات" (Data Heat Island)، في تشبيه بظاهرة الجزر الحرارية الحضرية التي تشهدها المدن الكبرى نتيجة الكثافة العمرانية والأنشطة الصناعية.
لماذا تنتج مراكز البيانات كل هذه الحرارة؟
تعتمد تطبيقات الذكاء الاصطناعي الحديثة على وحدات معالجة فائقة الأداء تنفذ تريليونات العمليات الحسابية في وقت قصير. وكل عملية حوسبة تستهلك طاقة كهربائية يتحول جزء كبير منها إلى حرارة.
ولمنع ارتفاع درجات حرارة الأجهزة، تستخدم مراكز البيانات أنظمة تبريد ضخمة تعمل بصورة مستمرة، ما يؤدي إلى إطلاق مزيد من الحرارة إلى البيئة المحيطة، فضلًا عن استهلاك كميات كبيرة من الكهرباء والمياه.
ومع الانتشار المتسارع لنماذج الذكاء الاصطناعي التوليدي، مثل المساعدات الذكية وأنظمة إنتاج الصور والفيديو، يتوقع خبراء الطاقة استمرار النمو الكبير في الطلب على مراكز البيانات خلال السنوات المقبلة.
تحديات تتجاوز استهلاك الكهرباء
لا تقتصر المخاوف على ارتفاع الطلب على الكهرباء، إذ تشير تقارير International Energy Agency إلى أن مراكز البيانات أصبحت من أسرع القطاعات نموًا في استهلاك الطاقة عالميًا، مع توقعات بتضاعف الطلب نتيجة التوسع في تقنيات الذكاء الاصطناعي.
كما تعتمد العديد من مراكز البيانات على أنظمة تبريد تستخدم كميات كبيرة من المياه، وهو ما يثير مخاوف إضافية في المناطق التي تعاني من ندرة الموارد المائية أو موجات الحر المتكررة.
ويرى خبراء المناخ أن التوسع في إنشاء مراكز البيانات داخل المدن قد يؤدي إلى تعزيز ظاهرة الجزر الحرارية، بما ينعكس على استهلاك الطاقة وجودة الهواء وراحة السكان، خاصة خلال فصل الصيف.
سباق نحو حلول أكثر استدامة
في مواجهة هذه التحديات، تستثمر شركات التكنولوجيا مليارات الدولارات لتطوير مراكز بيانات أكثر كفاءة، تعتمد على الطاقة المتجددة، وتقنيات تبريد أقل استهلاكًا للمياه، إلى جانب إعادة استخدام الحرارة المهدرة في تدفئة المباني أو تشغيل شبكات التدفئة المركزية، وهي تجارب بدأت بالفعل في عدد من الدول الأوروبية.
كما تتجه بعض الشركات إلى إنشاء مراكز بيانات في مناطق باردة أو بالقرب من مصادر الطاقة النظيفة، بهدف تقليل استهلاك الطاقة اللازمة للتبريد وخفض الانبعاثات الكربونية.
ورغم أهمية ما توصلت إليه الدراسة، يؤكد الباحثون أن النتائج تمثل ارتباطًا إحصائيًا بين وجود مراكز البيانات وارتفاع درجات الحرارة المحلية، ولا تثبت بشكل قاطع وجود علاقة سببية مباشرة، مشيرين إلى ضرورة إجراء مزيد من الدراسات المحكمة التي تأخذ في الاعتبار عوامل أخرى مثل التوسع العمراني، والكثافة الصناعية، والتغيرات المناخية.
ومع ذلك، تفتح الدراسة بابًا جديدًا للنقاش حول التكلفة البيئية للثورة الرقمية، وتدعو إلى إدراج التأثيرات المناخية المحلية ضمن معايير تخطيط وتشغيل مراكز البيانات مستقبلًا.
*صلاح الدين كريمي