الرصاص لا يصنع أمانا: قنص الكلاب السائبة..وجعُ الشوارع الذي لا ينتهي!
بأيّ ذنب قُتلت..؟
لم يعد صمت الليل في الأحياء التونسية يعني السكينة، بل بات نذيرا لمأساة تتكرر بانتظام.. دويّ الرصاص الذي يخترق هدوء بيوتنا تنفيذا لـ "إعدام ميداني" في حق كائنات لا تملك من السلاح إلا نظرات الاستعطاف.
تحت جنح الظلام، ينطلقون لمطاردة أرواحٍ ضعيفة، ذنبها الوحيد أنها وُجدت في بلد لم يجد لها مكانا سوى فوهة البندقية.. هي ليست مجرد طلقات عشوائية، بل مذابح تُرتكب بدم بارد.. يتعالى معها نباح الكائن الضعيف ألما وتستيقظ صباحا على أنين أحدهم ينازع الموت على حافة الطريق.

الأزقة تحولت إلى ساحات إعدام ميدانية.. لكن 'بأيّ ذنب قتلت'؟
أن نرى كلبا ألفناه في حارتنا، يحرس بيوتنا بوفائه الفطري، مُلقى في الصباح جثة هامدة وسط بركة من الدماء، هو مشهد يفوق قدرة الضمير الإنساني على الاحتمال.. ''كلب الحي'' الذي أطلق عليه المتساكنون اسما وأصبح فردا منهم يعدم في لحظة بدم بارد أمام أعينهم رغم توسّلاتهم بتركه وإعفائه من الموت، وكثيرون وثقوا هذه المهازل في فيديوهات تم نشرها على مواقع التواصل الاجتماعي.

مشاهد تدمي القلوب، لأمّهات تُقنص أمام جرائها، أو لكلاب تُترك تئن لساعات قبل أن تفيض روحها.. فكيف استهنا بالروح إلى هذا الحد؟ كيف أصبح منظر الدم المسفوك على الإسفلت جزء من روتين العمل البلدي؟.
بأيّ لغة يمكننا أن نخاطب هؤلاء.. وبأيّ منطق نبرر مشهدا يتكرر في أحيائنا كل ليلة، بعد أن أصبحت فوهات البنادق هي لغة الحوار الوحيدة مع كائنات لا تملك من أمرها إلا الوفاء بالفطرة.
هل الرصاص هو الحل الوحيد؟
ترجع الجهات المسؤولة قرار القنص إلى خطر "داء الكلب" أو تهديد سلامة المارة، وهي مخاوف مشروعة، لكن هل الرصاص هو الحل الوحيد في زمن تعتمد فيه الدول التي تحترم الحياة، استراتيجيات التعقيم والتلقيح، فلماذا نتمسك نحن بـ "البندقية" كحل أولي وأخير؟

لقد أثبتت دراسات سابقة أن القنص لا يحل المشكل، واعتبرت أن قتل الكلاب يخلق فراغا بيولوجيا يؤدي إلى تكاثر أسراب جديدة أكثر عدائية.. فلمَ لا يقع التفكير إذا في تخصيص ميزانية ''الرصاص'' لدعم مراكز التعقيم وتلقيح الكلاب السائبة وإعادتها لبيئتها وهي آمنة؟.. لمَ نتمسك نحن بصور وممارسات من القرون الوسطى في وقت تتباهى فيه أغلب الأمم برقيّ تعاملها مع الطبيعة ومع الكائنات الحية وتركيا أبرز مثال على ذلك.
ثم إن تونس التي تغنّى شعراؤها بالرحمة والحياة، لا يليق بها أن تصبح "مقبرة للحيوانات الضعيفة'' لأن رقيّ أي مجتمع لا يُقاس بمبانيه أو اقتصاده فحسب، بل بطريقة تعامله مع كائنات "لا حول لها ولا قوة".. وكل ما نريده اليوم هو شوارع تنبض بالحياة لا بالموت.
صدقا، لقد بلغت القلوب الحناجر، واشمأزت الأرواح من هذه القسوة.. نحن بحاجة إلى مدن تسع الجميع، مدن تُبنى بالرحمة لا بالدم، وبالعقل لا بالرصاص..
*غادة مالكي