السياحة الإيكولوجية.. رهان 'تانيت' لتنمية الجهات الداخلية
ما تزال السياحة التونسية مرتبطة في جزء كبير منها بالوجهات الساحلية، في وقت تزخر فيه المناطق الداخلية بمقومات طبيعية وثقافية يمكن أن تشكل أساساً لمنتجات سياحية بديلة، من السياحة الجبلية وسياحة المغامرات إلى السياحة الثقافية والصناعات التقليدية.
في هذا السياق، يعمل مشروع «تانيت» على دعم منظمات المجتمع المدني في عدد من الجهات، بهدف تطوير منتجات سياحية مستدامة، وتحسين قدراتها في التسويق، وربطها بالقطاع الخاص المحلي. المشروع ممول من الاتحاد الأوروبي ومنفذ من قبل منظمة «قادة دوليون» بالشراكة مع جمعية «موزيام لاب»، ويستهدف عدداً من الولايات الداخلية والجهات ذات المقومات السياحية المتنوعة.
ويقول إلياس بن مراد، المكلف بالمشاريع في منظمة «Leaders International»، إن المشروع يعمل مع جمعيات ومنظمات المجتمع المدني على تطوير المنتج السياحي، وتعزيز تقنيات التسويق، إلى جانب تشجيع الشراكة مع رواد الأعمال والمؤسسات الصغرى والمتوسطة الموجودة في الجهات.
منتجات سياحية خارج النموذج التقليدي
ويضيف بن مراد أن «تانيت» يعمل في ثماني جهات، من بينها زغوان وباجة والكاف وجندوبة ومدنين وتطاوين وتوزر، حيث تتم مرافقة منظمات المجتمع المدني لتطوير منتجات سياحية تتلاءم مع خصوصيات كل منطقة.
وتشمل هذه المنتجات الصناعات التقليدية، والسياحة الجبلية وسياحة المغامرات، إلى جانب السياحة الثقافية وغيرها من الأنشطة التي تستند إلى الموارد الطبيعية والتراثية المحلية.
ويهدف المشروع، وفق المتحدث، إلى تعزيز حضور هذه المنتجات والتعريف بها وتحسين طرق تسويقها، بما يسمح للجمعيات المستفيدة بتثمين الدعم والتكوين والتمويل الذي تحصلت عليه ضمن المشروع.
ويأتي هذا التوجه ضمن تصور يضع منظمات المجتمع المدني والمجتمعات المحلية في موقع أكثر فاعلية في تطوير السياحة المستدامة، مع العمل على تنويع العرض السياحي التونسي خارج المناطق الساحلية. ويستهدف المشروع دعم 35 جمعية، مع التركيز على تطوير قدراتها وعلى دورها في تثمين التراث الطبيعي والثقافي وخلق فرص اقتصادية محلية.
من الموارد المحلية إلى فرص اقتصادية
ويرى بن مراد أن التجارب التي تم عرضها خلال الجولة التي نظمها المشروع في عدد من الجهات تؤكد أن السياحة التونسية يمكن أن تتجاوز نموذج السياحة الشاطئية، لتشمل السياحة الإيكولوجية وسياحة المناطق الداخلية.
ويتيح هذا النموذج، وفق تصوره، للسائح اكتشاف مسارات جبلية ومواقع ثقافية وطبيعية، والتعامل في الوقت نفسه مع جمعيات محلية ورواد أعمال ومؤسسات صغرى ومتوسطة، بما يربط النشاط السياحي بالاقتصاد المحلي.
وتكتسب هذه المقاربة أهمية خاصة في الجهات الداخلية، حيث تتوفر موارد طبيعية وثقافية لكنها لا تتحول دائماً إلى منتجات سياحية قادرة على الوصول إلى الأسواق. ويهدف «تانيت» إلى معالجة جزء من هذه الفجوة من خلال تطوير قدرات الجمعيات في التسويق والتواصل وبناء الشراكات. كما يركز المشروع على مساعدة منظمات المجتمع المدني على أداء دور في الدفاع عن نماذج سياحية مستدامة وبديلة، بما يخدم التنمية الاقتصادية المحلية.
المجتمع المدني حلقة الوصل
ولا يقتصر تدخل المشروع على تطوير المنتج السياحي في حد ذاته، إذ يراهن أيضاً على دور المجتمع المدني في الربط بين مختلف الفاعلين المحليين، من الحرفيين وأصحاب المشاريع إلى المجتمعات المحلية والقطاع السياحي.
وتبرز أهمية هذا الدور خصوصاً في المناطق الداخلية، حيث يمكن للجمعيات المحلية أن تساهم في التعريف بالمواقع والموارد الموجودة في جهاتها، وتنظيم الأنشطة، وتطوير مسارات جديدة، وربط المنتجات التقليدية بالتجربة السياحية.
كما يشكل تطوير مهارات التسويق الرقمي وبناء الشبكات والشراكات أحد محاور تدخل المشروع. وقد شملت برامج «تانيت» التكوينية مجالات من بينها التسويق الرقمي والذكاء الاصطناعي، والتخطيط المالي، وبناء الشراكات، إلى جانب المناصرة ودعم الاستدامة التنظيمية للجمعيات.
وبحسب بن مراد، فإن الرهان لا يتمثل فقط في جذب مزيد من الزوار إلى الجهات، وإنما في تنويع المنتج التونسي وتثمين المقومات الموجودة في كل منطقة.
ومن السياحة الجبلية إلى الحرف التقليدية والمواقع الثقافية والطبيعية، يسعى هذا التوجه إلى تحويل الموارد المحلية إلى منتجات قابلة للتسويق، بما يمكن أن يفتح فرصاً جديدة أمام الجمعيات ورواد الأعمال والمؤسسات الصغرى والمتوسطة في المناطق الداخلية.
ويضع مشروع «تانيت» بذلك السياحة المستدامة والبديلة ضمن مقاربة تربط تنويع العرض السياحي بالتنمية المحلية، عبر تعزيز دور المجتمع المدني وتشجيع الشراكات المحلية، بما قد يساعد على توسيع الخارطة السياحية التونسية خارج الوجهات التقليدية.
بشرى السلامي

