languageFrançais

السياحة الإيكولوجية في المناطق الداخلية.. ثروات تبحث عن مسار للتنمية

لا تقتصر السياحة في تونس على الشريط الساحلي أو الوجهات المعروفة مثل طبرقة وعين دراهم. ففي الكاف وجندوبة، توجد مسالك جبلية ومواقع أثرية وعيون طبيعية وحرف تقليدية يمكن أن تشكل أساساً لنمط آخر من السياحة، يقوم على اكتشاف الطبيعة والتراث والاستفادة من الموارد المحلية.

لكن هذه الإمكانات ما تزال تواجه صعوبات تتعلق بالتعريف بها، وتسويق المنتجات المحلية، ونقص التجهيزات، فضلاً عن محدودية التكوين والإطار القانوني لبعض الأنشطة الجبلية.

هذه النقائص كانت من بين الملفات التي برزت خلال أنشطة الجمعيات المحلية في إطار مشروع «تانيت»، الذي حاول دعم مبادرات تربط السياحة بالرياضة والطبيعة والصناعات التقليدية.

السياحة تبدأ من المكان وأهله

في منطقة الصمران التابعة لمعتمدية بلطة بوعوان، اختارت جمعية جندوبة للرياضات الفردية أن تدخل إلى السياحة من بوابة الرياضة.

وتقول منسقة مشروع «جندوبة في حركية» أمل الورتتاني إن المشروع انطلق بفكرة التعريف بالسياحة من خلال الرياضة، قبل أن تتوسع التجربة لتشمل الصناعات التقليدية، من خلال تنظيم معرض شارك فيه أكثر من 25 حرفياً وحرفية.

وترى الورتتاني أن الجمع بين الرياضة والحرف يمكن أن يوفر للحرفيين فرصة للتعريف بمنتجاتهم وتسويقها، في الوقت الذي يتم فيه استقطاب الزوار إلى مناطق لا تحظى عادة بالاهتمام السياحي الكافي.

وتشدد على ضرورة توسيع النظرة إلى السياحة في جندوبة، معتبرة أن مناطق مثل بلطة بوعوان لا تقل أهمية من حيث ما تزخر به من عيون طبيعية وآثار وتراث ثقافي.

المرأة الريفية.. ومنتجات سياحية قيّمة

في الكاف، تبرز مشكلة أخرى مرتبطة بالسياحة الإيكولوجية، وهي كيفية تحويل الموارد المحلية إلى منتجات تصل إلى المستهلك.

نادية الصالحي، رئيسة جمعية «تثمين صناعة الجدود»، تعمل مع النساء في المناطق الريفية على تطوير منتجات مستوحاة من التراث، باستخدام تقنيات إعادة توظيف بقايا الأقمشة.

وتقول إن مشروع «تانيت» ساعد الجمعية على تطوير المنتج، وتحسين طريقة تقديمه وتغليفه، إلى جانب العمل مع النساء على تطوير أفكارهن.

لكن الوصول إلى السوق يبقى أحد أكبر التحديات، خاصة بالنسبة إلى النساء الريفيات في الكاف، رغم امتلاكهن منتجات تقليدية متوارثة.

ولهذا تعمل الجمعية أيضاً على تطوير تطبيق رقمي يسمح للمرأة الريفية بتصوير منتجها وعرضه عبر الهاتف، بما يمكن أن يفتح أمامها منفذاً جديداً للتسويق.

وبذلك لا تصبح الحرف التقليدية مجرد نشاط اقتصادي منفصل، بل يمكن أن تكون جزءاً من التجربة السياحية في المنطقة، من خلال ربط الزائر بالمنتج وصاحبه ومصدره.

حين لا يعرف السكان مواقع مدينتهم

في تجربة أخرى بالكاف، اشتغلت جمعية «تويزة» على المسارات الثقافية والطبيعية، لكن البداية كانت من السكان المحليين أنفسهم.

ويقول عضو الجمعية ماهر الجبالي إن نحو 80 % من المشاركين في أحد المسارات لم يكونوا يعرفون المعالم الموجودة فيه، رغم أنهم من أبناء الكاف.

تم تعريفهم بمعالم مثل القصبة والغريبة وتاريخها، ثم انتقلت التجربة إلى المسارات الخارجية، من بينها مائدة يوغورتة والتيبيروس وحمام ملاق، مع استهداف الأطفال وطلاب المدارس من خلال الألعاب والمسابقات والزيارات الميدانية.

ويشير الجبالي إلى أن الأطفال أبدوا اهتماماً خاصاً بموقع التيبيروس، وطالبوا بمواصلة اكتشاف تاريخه والأساطير المرتبطة به.

وتكشف هذه التجربة أن تنمية السياحة الإيكولوجية لا تبدأ بالضرورة من السائح الأجنبي، بل يمكن أن تبدأ من تعريف سكان الجهة بثرواتهم الطبيعية والتاريخية، ثم تحويل هذا الوعي إلى نشاط سياحي قابل للتطوير.

مسارات موجودة.. لكن ماذا عن الإطار؟

تطوير المسارات الجبلية يطرح في المقابل إشكاليات عملية، من بينها نقص المعدات والحاجة إلى تكوين العاملين في مجال الأنشطة الخارجية والإسعافات الأولية.

ويعتبر الجبالي أن هناك أيضاً حاجة إلى تنظيم مهنة مرافقي الرحلات والأنشطة الجبلية، موضحاً أن تونس لا تزال تعتمد أساساً على اختصاص الدليل السياحي، في حين أن الأنشطة الجبلية تتطلب مهارات وتكويناً مختلفين.

ويرى أن تقنين هذا المجال يمكن أن يساهم في تطوير السياحة الجبلية وضمان سلامة المشاركين فيها، إضافة إلى توفير مسارات تكوين متخصصة للعاملين في هذا القطاع.

من المبادرات المحلية إلى سياسة للسياحة الإيكولوجية

تجارب الكاف وجندوبة تُظهر أن مقومات السياحة الإيكولوجية موجودة: مسارات جبلية، مواقع أثرية، طبيعة، حرف تقليدية، وموارد بشرية قادرة على تطوير أنشطة جديدة.

لكن تحويل هذه المقومات إلى قطاع مستدام يحتاج إلى الربط بينها ضمن مسارات واضحة، وتطوير التسويق الرقمي، وتحسين التجهيزات، وتكوين المرافقين، وتقنين المهن المرتبطة بالأنشطة الجبلية.

كما أن إدماج النساء الريفيات والحرفيين والسكان المحليين في الدورة السياحية يمكن أن يجعل جزءاً أكبر من العائدات يبقى داخل الجهة.

وبذلك لا تكون السياحة الإيكولوجية مجرد بديل عن السياحة التقليدية، بل وسيلة لتنويع العرض السياحي وتحريك الاقتصاد المحلي في المناطق الداخلية، انطلاقاً من الموارد الموجودة فعلاً على الأرض.

بشرى السلامي