languageFrançais

عميد المهندسين: 42% من المرسمين بالعمادة هاجروا

بمناسبة الاحتفال باليوم العالمي للمرأة المهندسة، نظّمت عمادة المهندسين التونسيين تظاهرة خاصة لتسليط الضوء على واقع المهنة والتحديات التي تواجه القطاع الهندسي في تونس، وذلك بحضور عدد من المهندسات والمهندسين وممثلي الهياكل المهنية.

وفي تصريح لموزاييك، تطرّق عميد المهندسين التونسيين محسن الغرسي إلى ظاهرة هجرة المهندسين، معتبرا أنها تحوّلت خلال السنوات الأخيرة إلى إحدى أبرز الإشكاليات التي تهدد مستقبل عدد من القطاعات الحيوية في البلاد، مشيرا إلى أن نحو 42 بالمائة من المهندسين المرسمين بجدول العمادة غادروا تونس خلال السنوات العشر الأخيرة.

هجرة جماعية للمهندسين

وأكد الغرسي أن الحديث عن هجرة المهندسين لم يعد يتعلق بحالات فردية أو أعداد محدودة، بل أصبح ظاهرة جماعية موثقة، مستشهدا بتقرير صادر عن المعهد التونسي للدراسات الاستراتيجية سنة 2024 وصف الوضع بـ"الهجرة الجماعية للمهندسين".

وأوضح أن خطورة الملف دفعت السلطات إلى عقد اجتماعات وزارية للنظر في انعكاساته، خاصة وأن المهندسين يمثلون ركيزة أساسية للتنمية الاقتصادية والتكنولوجية في البلاد.

الدوافع المالية في صدارة الأسباب

وبيّن عميد المهندسين أن العامل المادي يبقى من أبرز الأسباب التي تدفع المهندسين إلى مغادرة تونس، مشيرا إلى أن الأجور الحالية لا تتناسب مع سنوات الدراسة والتكوين والمسؤوليات الموكولة إليهم.

وأضاف أن الأجر الشهري للمهندس حديث التخرج ينطلق في حدود 1500 دينار، سواء في القطاع العام أو الخاص، في حين ترتفع الأجور في العديد من الدول الأجنبية إلى مستويات تفوق ذلك بعدة مرات، ما يجعل عروض العمل الخارجية أكثر جاذبية للكفاءات التونسية.
اتفاقات غير مطبقة ومطالب متواصلة

واعتبر الغرسي أن جزءا من الأزمة يعود إلى عدم تطبيق اتفاقات سابقة تم التوصل إليها مع الحكومات المتعاقبة، مذكّرا بالاتفاق المبرم سنة 2021 والقاضي بتعميم المنح الخصوصية على مختلف المهندسين.

وأوضح أن هذه الإجراءات شملت بعض الفئات دون أخرى، خاصة المهندسين العاملين في المؤسسات والمنشآت العمومية، وهو ما خلق حالة من الاحتقان داخل القطاع ودفع عددا متزايدا من الكفاءات إلى البحث عن فرص خارج البلاد.

45 ألف مهندس غادروا تونس خلال عشر سنوات

وكشف عميد المهندسين أن تونس خسرت خلال السنوات العشر الأخيرة حوالي 45 ألف مهندس، وهو ما يمثل قرابة 42 بالمائة من إجمالي المهندسين المرسمين بعمادة المهندسين التونسيين، واصفا الرقم بالمفزع بالنظر إلى حجم الاستثمار الذي تخصصه الدولة لتكوين هذه الكفاءات.

وأشار إلى أن سنة 2022 شهدت لوحدها مغادرة نحو 8 آلاف مهندس، مؤكدا أن الاختصاصات المرتبطة بالإعلامية والتكنولوجيات الحديثة تعد من أكثر المجالات التي تشهد استقطابا من قبل المؤسسات الأجنبية.

وأضاف أن المهندسين التونسيين يشغلون اليوم مناصب حساسة ومهمة داخل شركات ومؤسسات مالية وصناعية كبرى في أوروبا، وهو ما يعكس جودة التكوين التونسي، لكنه في المقابل يحرم البلاد من كفاءات تحتاجها بشدة.

نقص الكفاءات يهدد المؤسسات

وحذر الغرسي من تداعيات هذه الهجرة على المؤسسات العمومية والخاصة، مشيرا إلى أن العديد من الهياكل أصبحت تواجه صعوبات متزايدة في تأمين الإطارات الهندسية المختصة.

وأضاف أن بعض المؤسسات والوزارات تشهد نقصا ملحوظا في المهندسين، في حين أصبحت شركات كبرى تجد صعوبة في تعويض الكفاءات التي تغادر نحو الخارج، خاصة من أصحاب الخبرة الطويلة، وهو ما ينعكس على سير المشاريع وعلى قدرة المؤسسات على مواكبة التحولات التكنولوجية والاقتصادية.

دعوات لتشجيع عودة الكفاءات

وفي المقابل، أكد عميد المهندسين أن عددا من المهندسين المقيمين بالخارج يبدون رغبة في العودة إلى تونس والاستثمار فيها، غير أن ذلك يظل مرتبطا بتوفير مناخ تشريعي وإداري أكثر مرونة.

ودعا إلى سنّ قوانين وإجراءات تحفيزية تمكن المهندسين التونسيين بالخارج من العودة والعمل والاستثمار دون عراقيل، مع تسهيل الإجراءات المتعلقة بالتحويلات المالية وإدارة المشاريع، ومراجعة بعض النصوص القانونية التي لم تعد تستجيب لواقع الاقتصاد الحديث.

واعتبر أن تحسين ظروف العمل والأجور وتطوير الإطار التشريعي من شأنه أن يحد من نزيف الكفاءات ويشجع على استعادة جزء من الخبرات التونسية المنتشرة في الخارج.

المرأة المهندسة شريك أساسي في التنمية

وفي سياق الاحتفال باليوم العالمي للمرأة المهندسة، شدد الغرسي على أهمية الدور الذي تضطلع به المهندسات التونسيات في مختلف القطاعات الاقتصادية والعلمية والتكنولوجية، مؤكدا أن المرأة التونسية أثبتت كفاءتها وقدرتها على التميز داخل تونس وخارجها.

وأشار إلى أن دعم المهندسات والمهندسين على حد سواء يمثل استثمارا في مستقبل البلاد، داعيا إلى وضع سياسات عملية للحفاظ على الكفاءات الوطنية وتثمينها والحد من هجرة الأدمغة التي باتت تمثل أحد أبرز التحديات التنموية في تونس.

كريم وناس