أمانة الصوت: مؤذنو الزيتونة يحرسون إرث 'الآذان الحي'
جامع الزيتونة المعمور في المدينة العتيقة ليس منارة للعلم فقط، بل هو حارس لتقاليد عريقة صمدت لقرون.. ومن أجملها "الآذان الحي" بصوت المؤذن في شهر رمضان دون الاستعانة بمكبرات الصوت.
هنا في الجامع المعمور، الأذان ليس مجرد إعلام بالوقت بل هو مقام ومقال..فمع اقتراب شمس رمضان من الأفق، خرج المؤذن من غرفة المؤذنين العتيقة.. لف شاشيته الحمراء بإحكام، وسوى أطراف جبته الحريرية، ثم بدأ رحلة الصعود عبر المدارج الحجرية الضيقة للمئذنة مرافقا بكاميرا موزاييك.
كل درجة يطأها تروي قصة قرون من الأذان الذي لم ينقطع، وكل درجة يرتقيها تبتعد به عن ضجيج الأسواق وتقربه من سكون السماء.. وعند وصوله إلى الصومعة، لا يواجه آلات صماء، بل هواء تونس العليل.
وسط صمت مطبق داخل البرج، يقطعه فقط صدى وقع أقدام المؤذن وأنفاسه المنتظمة، حتى بلغ الشرفة المفتوحة المطلة على بيوت المدينة العتيقة.. هناك وضع يديه خلف أذنيه في حركته المعهودة، ليحصر الصوت ويوجهه نحو الأنهج المجاورة حيث تترقب الآلاف من "الديار العربي" صوته الذي يعد بمثابة خيط الضوء الذي ينهي صيامهم.. وبدأ بالتكبير، مستخدما رنينه الطبيعي الذي صممته جدران الصومعة ليعمل كمضخم صوت طبيعي.
وحين انتهى، ألقى نظرة أخيرة على أضواء المدينة التي بدأت تشتعل، ثم بدأ رحلة الهبوط، تاركا خلفه صدى "الله أكبر" يتردد في قلوب كل الصائمين.
إن الإصرار على رفع الآذان دون مكبر صوت ليس مجرد تمسك بالماضي، بل هو حفاظ على روحانية الصوت البشري لما يحمله من طاقة وخشوع لا يمكن لآلات التسجيل أو المكبرات محاكاته.. ليظل هذا التقليد علامة فارقة تحافظ على الهوية السمعية لمدينة تونس، وحماية للذوق العام من ضجيج الآلات.
تقرير: غادة مالكي
تصوير ومونتاج: ضياء يحيى