languageFrançais

كتاب 'النظام الإعلامي في تونس' للخضراوي: ماذا حدث في العشرية الأخيرة؟

أصدر للزميل الصحفي والباحث في علوم الإعلام والاتصال وفي العلوم السياسية الدكتور منجي الخضراوي كتابا حول "مدخل لدراسة النظام الإعلامي في تونس – التعديل الذاتي وقضاياه" عن دار محمّد علي الحامي تناول فيه العلاقة بين مكوّنات النظام الإعلامي وآليات التعديل الذاتي في ظلّ السياقات السياسية التي عرفتها البلاد قبل الثورة وبعدها، وقد تناول الكتاب بالتحليل تلك المتغيرات التي عرفتها تونس وتأثيرها على الحركية الإعلامية كما تناول الإطار التشريعي خلال الحقبتين والحقل المهني.

الكتاب يكشف من داخل المهنة ومن خارجها وفقا لمنهجيات علمية دقيقة حركة تشكّل النظام الإعلامي ومراحل الانتقال من اعلام سلطوي إلى إعلام بصدد التشكّل. 

وجاء في الكتاب أن الإعلام كان في عمومه، قبل الرابع عشر من ‏جانفي، مرتبطا ‏بالسلطة السياسية، أكثر من ارتباطه بالحراك الذي يعيشه ‏المجتمع التونسي، وكان ‏أداة أساسية من أدوات احتكار الفضاء العمومي ‏لفائدة السلطة التي لم تكن لتقبل ‏بالتنوّع. وقد اتسم المشهد الإعلامي ‏بتغييب المختلف وعدم الاعتراف بالنقد. ‏لذلك أثيرت مباشرة، بعد سقوط نظام بن علي، مسـألة إلغاء ترسانة ‏القوانين ‏وتغيير الواقع الذي كان عليه الإعلام التونسي وإعادة تنظيمه على ‏أسس جديدة تكون ‏فيها قيم الحرية والاستقلالية والجودة والموضوعية قيما ‏أساسية في كلّ عمل صحفي.

واعتبر أنّ منظومة التعديل الذاتي هي آلية أساسية للتأسيس للمسؤولية الجماعية للصحفيين تجاه ‏المجتمع وهي تكمّل النظام التقليدي للإعلام الذي يقوم على القاعدة القانونية. ‏

اعتبر الكتاب أيضا أن النظام السياسي كان مصدر شرعية الإعلام السلطوي في تونس قبل ثورة سنة 2011 وكان الجمهور غائبا، لكن بعد الثورة لم تنجح آليات التعديل الذاتي في أن تجعل من الجمهور مصدرا لتلك الشرعية، بل لم يخرج الجمهور المتخيّل أو الذي يتم تمثّله عن السياسي وبالتالي فإنّه يمكننا القول إنّ الجمهور ليس هو مصدر الشرعية بالنسبة إلى الإعلام التونسي.

ويقول إنه لا يمكن لمنظومة التعديل الذاتي أن تكتمل وتؤدّي دورها إلاّ ‏في ظل دولة ومجتمع ديمقراطيين تنشأ ضمنه المشاركة في المسؤولية الجماعية ‏بالنسبة إلى الصحفيين

كما اعتبر أنّ منظومة التعديل الذاتي ترتبط ارتباطا وثيقا بالنظام الإعلامي. إنّ النظام الإعلامي التونسي هو نظام يأخذ من خصوصيات بعض النماذج الإعلامية في العالم إذ يتسم بالتداخل بين العديد من المكونات الهيكلية والقانونية والمهنية وبين التمثلات المختلفة، وأمام السياق المتحرّك فهو نظام بصدد التشكّل يتسم أيضا بتدخّل الدولة وضعف الصحافة المكتوبة وسيطرة نموذج اقتصادي يعتمد على قوى السوق والإشهار مع بروز انقسام سياسي يؤشّر على نظام أقرب إلى نموذجالاستقطاب ‏التعدّدي" ‏Pluraliste ‎polarisé‏" أو النموذج المتوسّطي.

بالنسبة إلى الكاتب فإنّ عدم تشكّل النظام الإعلامي في تونس، من جهة كونه مرتبطا بعدّة عناصر متحرّكة وغير ثابتة مثل السياق والممارسات والتمثلات... وارتباط كلّ تلك العناصر في بينها ترابطا بنيويا، يجعلان من منظومة التعديل الذاتي مرتبطة في ديناميتها بمراحل تشكّل النظام الإعلامي وبطبيعته، فكلما كانت عناصر النظام الإعلامي متجانسة ومتشكّلة كانت شروط إرساء منظومة التعديل الذاتي قائمة.

وتوصّل إلى أنّ تجربة مجالس التحرير فشلتفي أغلبها ولم يعرف مجلس الصحافة منذ الثورة الوجود، وبقيت المدونات التحريرية والأخلاقية في أغلبها حبرا على ورق ولم يتم تعميم تجربة الموفق الإعلامي وهو ما يعني أنّ السياق السلطوي لم يكن هو العائق الوحيد أمام إرساء تجربة التعديل الذاتي في تونس، فالخطاب الإيديولوجي للمهنة كان يَعْتَبِرُ السياق السلطوي عائقا أمام تطوير المهنة.

يمكننا أن نعتبر أنّ المهنة الصحفية والصحفيين أنفسهم كانوا عائقا أمام إنشاء وتعميم تجربة التعديل الذاتي رغم أنّ السياق التشريعي القانوني والسياسي أصبح ملائما ومناسبا لذلك. إن المهنة لم تقم بمبادرات داخل المؤسسات الإعلامية لإدماج آليات التعديل الذاتي بل يمكن أن نقول إن التعديل ‏الذاتي ليس مطلبا مهنيا.

واعتبر الكتاب أنّ الرغبة في الانتقال من إعلام سلطوي إلى إعلام ديمقراطي أمام عوائق مرتبطة بتشكّل باراديغم وإنهاء آخر خلق أزمة باراديغمية، أثرت على تمثلات الصحفيين وممارساتهم للتعديل الذاتي.

يعتبر كتاب مدخل لدراسة النظام الإعلامي في تونس – التعديل الذاتي وقضاياه" أوّل محاولة علمية في هذا المجال الذي مازال يتسم بالتحولات والتغيرات، وبالتالي فإنّه يوفر مادة مهمة للباحثين والجامعيين والمهنيين والسياسيين لفهم ديناميات الانتقال داخل النظام الإعلامي الذي يعكس ديناميات الإنتقال داخل النظام السياسي في تونس.