languageFrançais

'جاكراندا'.. حين يصعد وجع جيل إلى الخشبة

لم يكن عرض مسرحية «جاكراندا» ضمن الدورة 60 لمهرجان الحمامات الدولي مجرد عرض مسرحي عابر، بل كانت مواجهة مفتوحة بين الإنسان وأسئلته، بين جيل يحمل على كتفيه ثقل الانتظار وذاكرة الخيبات، وبين واقع يضيق كلما اتسعت الأحلام. ففي فضاء مركز نداء خالٍ من رنين الهواتف، اختار المخرج نزار السعيدي أن يصنع رنينا آخر.. رنين الأرواح المتعبة، وصدى الأصوات التي تبحث عن من يصغي إليها.

وفي مساء الأربعاء 5 أوت 2026، اعتلى عمل «جاكراندا» ركح مهرجان الحمامات الدولي ليقدم آخر إنتاجات المسرح الوطني الشاب، في لقاء جديد يجمع الكاتب والناقد المسرحي عبد الحليم المسعودي بالمخرج نزار السعيدي بعد تجربتهما المشتركة في «تائهون» سنة 2021. لكن التيه هذه المرة كان أكثر قسوة، لأن الشخصيات لا تبحث فقط عن طريق للخروج من مكان مغلق، بل عن معنى لحياة أصبحت معلقة بين ماض لم يرحل وحاضر لا يمنح الكثير من الأمل.

ويدعو العرض المتفرج إلى دخول عالم مختلف: مركز اتصال يحمل اسم «تانيت»، ذلك الاسم القادم من أعماق الحضارة القرطاجية، والذي يرتبط بالحماية والخصوبة والرمزية التاريخية. غير أن «تانيت» في «جاكراندا» لا تظهر كرمز للمجد فقط، بل تتحول إلى استعارة لوطن يحمل إرثه الكبير بينما يعيش أزماته اليومية. فضاء يفترض أن يكون مكانا للتواصل، يصبح مسرحا لانقطاع التواصل الحقيقي بين الإنسان وذاته، وبين الفرد ومجتمعه.

وهنا تكمن إحدى مفارقات العمل الكبرى: في مركز النداء لا نسمع أصوات المتصلين ولا رنات الهواتف، وكأن المخرج أراد أن يجعل الغياب هو البطل. فالمكان الذي وجد أساسا للرد على الآخرين يصبح فضاء لأشخاص عاجزين عن إيصال أصواتهم، ينتظرون مكالمة قد تأتي أو لا تأتي، تماما مثل انتظار جيل كامل لفرصة قد لا تصل.

وتدور أحداث المسرحية في نهاية العقد الثاني من الألفية الثالثة، زمن التحولات الكبرى والقلق الجماعي. شخصيات مختلفة الخلفيات تجمعها هشاشة واحدة: أحلام مؤجلة، علاقات مرتبكة، خوف من المستقبل، ورغبة في الهروب من واقع يفرض عليهم الاختيارات نفسها. إنهم ليسوا أبطالا تقليديين، بل شهود على مرحلة اجتماعية معقدة، يحمل كل واحد منهم جرحه الخاص لكنه يكتشف أن الجرح جماعي.

ويمنح النص للشخصيات مساحة واسعة للبوح، فتتحول الخشبة إلى ما يشبه جلسة اعتراف طويلة. لا تروى الحكايات فقط، بل تكشف الطبقات الخفية للإنسان: مخاوفه، انكساراته، وحنينه إلى زمن كان أكثر وضوحا بين الحوار والمونولوغ ليبني العرض عالما داخليا كثيفا، يصبح فيه الصمت أحيانا أكثر بلاغة من الكلام.

وقد حمل الممثلون هذا العالم المعقد بأداء متماسك، بمشاركة أنيس كمون وثواب العيدودي وحلمي الخليفي ومحمد عرفات القيزاني وحمودة بن حسين وأصالة كواص وحسناء غنام، فكان أداء يبحث عن الصدق أكثر من الاستعراض، ويمنح للشخصيات هشاشتها الإنسانية بعيدا عن التنميط. أما عنوان المسرحية، «جاكراندا»، فيحمل بدوره دلالة عميقة. فهذه الشجرة ذات الأزهار البنفسجية الساحرة تجمع بين الجمال والرقة والهشاشة، تماما مثل الشخصيات التي تحاول الحفاظ على توازنها رغم العواصف التي تحاصرها. إنها أزهار جميلة تنمو فوق أرض متعبة.

وتتجلى الرؤية البصرية للمخرج نزار السعيدي في اقتصاد سينوغرافي ذكي، حيث تتحول علامة «Exit» إلى أكثر من مجرد إشارة للخروج. فهي تصبح سؤالا مفتوحا: هل هناك فعلا طريق للنجاة؟ يتغير لونها بين الأحمر الذي يوحي بالانسداد والخطر، والأخضر الذي يلمح إلى إمكانية الخلاص، لكن دون أن يقدم وعدا نهائيا بالخروج. كما يحضر المكان بوصفه رمزا لا مجرد ديكور. فاختيار سطح عمارة في حي لافايات يمنح الفضاء بعدا آخر: علوّ قد يبدو كتحرر، لكنه يحمل أيضا احتمال السقوط. شخصيات تقف في الأعلى لأنها تبحث عن منفذ، لكنها تظل محاصرة بثقل الأسئلة التي جاءت بها من الأسفل.

وفي عمق العرض، تحضر إحالات إلى «هاملت» وعلاقة هاملت بأوفيليا، في محاولة لربط مأساة الإنسان التونسي المعاصر بأسئلة المسرح العالمي الكبرى: الحب، الخيانة، الاختيار، والعجز أمام واقع أكبر من الفرد. كما تتقاطع المرجعيات الثقافية بين الموروث الشعبي التونسي والإيحاءات الشرقية، لتصنع لغة مسرحية تجمع المحلي بالإنساني. لكن «جاكراندا» ليست مجرد تشريح اجتماعي لجيل مأزوم، إنها أيضا سؤال حول اللغة نفسها. ففي واحدة من أكثر لحظات العرض رمزية، يصبح قطع اللسان صورة عن عجز الكلام، وعن لحظة يشعر فيها الإنسان أن صوته لم يعد قادرا على تغيير شيء. إنها لحظة تختصر مأساة شخصيات وجدت نفسها داخل عالم كثير الوسائل وقليل الإصغاء.

ومن بين العلامات اللافتة في العرض حضور صوت الطاووس، الذي يتحول من مجرد عنصر صوتي إلى نذير خراب، يحمل دلالة الكبرياء المفقود وذاكرة حضارة تبحث عن مكانها في الحاضر. فهو صوت يقطع الصمت ويوقظ أشباح الماضي، كما لو أنه يعلن أن الجراح القديمة مازالت حاضرة.

و«جاكراندا» ليست مسرحية عن مركز اتصال فقط، بل عن وطن صغير يسكن داخل كل شخصية، وعن جيل يبحث عن نافذة في جدار مغلق. إنها عرض لا يكتفي بأن يجعلنا نشاهد، بل يدفعنا إلى مواجهة أنفسنا. فهنا لا تصطف الكراسي للفرجة فقط، بل تصطف الشهادات للبوح، ولا نتابع حكاية بعيدة عنا، بل نرى مرآة تعكس وجوها تشبهنا لتترك سؤالها معلقا في فضاء الحمامات: هل مازال هناك مخرج حقيقي من هذا الانتظار الطويل؟ أم أننا جميعا نقف أمام إشارة «Exit» نبحث عن لونها الصحيح؟

الواثق بالله شاكير