الرّوندة 13.. حين تمنحنا الحياة فرصة أخيرة للنّهوض ثمّ تسقطنا بالقاضية
ستبكي وأنت تشاهد الفيلم.. ستبكي حتّى اللّحظات الأخيرة ولحظة صعود جينيريك النّهاية.. ستبكي رغم الأمل الذي يحمله العنوان وتعيشه للحظات مع شخصيّات العمل الذين يصارعون قدرهم على حلبة الحياة التي تلكمه على مدى 89 دقيقة أخرجها محمّد علي النّهدي في فيلمه الرّوائي الطّويل الثّاني 'الرّوندة 13' الذي قدّم يوم 04 أفريل 2026 في عرضه قبل الأوّل في العاصمة تمهيدا لإطلاقه في كلّ القاعات بداية من يوم 8 أفريل الجاري.
في أجواء عاطفيّة مشحونة وبتأثّر ودموع جمعت بين فخر محمد علي النّهدي وفريق الفيلم وتفاعل الجمهور من فنّانين وسينمائيين ومسرحيين لبّوا الدعوة، اعتبر المخرج الحدث 'يوم زفافه' الذي يحتفل به بعد 5 سنوات من العمل الجادّ والشّاق ليحقّق إحدى أحلامه السّينمائيّة التي راودته طويلا بحضور والده الفنان الأمين النّهدي، الذي أشاد بالفيلم رافعا صورة النّجمة التونسيّة سعاد محاسن التي لم يفارق حضورها الروحي والرّمزي قاعة العرض التي اكتضّت بالحضور.
ويشارك في العمل، المستلهم من فكرة راودت محمّد علي النّهدي منذ أكثر من عقد، كلّ من الممثلّة عفاف بن محمود في دور 'سعاد' زوجة 'كمال'، بطل الملاكمة السّابق، الدّور الذي أدّاه الممثّل التونسي حلمي الدّريدي ليتقاسما بطولة قصّة موجعة يشارك فيها في حضور خاصّ الفنّان القدير الأمين النّهدي والد المخرج والممثّلة القديرة سلوى محمّد مع مشاركة كلّ من سماح سنكري ورمزي عزيّز مع ظهور خاطف للمخرج الذي تخلّى عن بطولة الفيلم للممثّل حلمي الدّريدي بعد أن حاك الحدوتة على مقاسه وهو الذي حلم طويلا بأداء دور الملاكم. أمّا اكتشاف 'الكاستينغ' فكان الطّفل هادي جبوريّة البطل الصّغير الذي أبدع في مشاركته الأولى بشهادة المخرج والمتفرّجين من سينمائيين فهو الطّفل 'صبري' البطل الذي لا يرفع القفازات في حلبة، بل يواجه السرطان حتى النفس الأخير.
ففي فيلم 'الروندة 13'، لا تبدأ المعركة حين يقرع جرس الملاكمة، بل حين يسقط الأب أمام ألم لا يهزم بالقوة الجسدية. كمال يجد نفسه فجأة خارج الحلبة التي يعرفها، داخل نزال أكثر قسوة: إنقاذ ابنه من مرض يهدد حياته. وهنا، تتغيّر قواعد اللعبة: لا خصم يرى، ولا جولة تحسم بالضربة القاضية. فقط قلب أب، ودموع أم، وصبر طفل يقاتل بصمت.
ومن هنا تبدأ رحلة كمال وزوجته سامية التي تتجاوز المعاناة إلى اختبار حقيقي لمعنى الحب حين يصبح فداء، وللإيمان حين يتأرجح بين الانكسار والأمل. فالفيلم لا يروي قصة مرض فقط، بل يكشف هشاشة الإنسان حين يجبر على أن يكون قويا، وقوته حين يوشك على الانهيار.
ولم تبقَ الحكاية في تونس فحسب، بل عبرت الحدود، وحملت وجعها الإنساني إلى منصّات العالم، حيث لامست قلوبا لا تتحدث اللغة نفسها، لكنها تفهم الألم جيّدًا. ففي المهرجانات، لم يكن الفيلم مجرد مشاركة بل حضورا صادما كتبت عنه الصحافة العربية باعتباره ثالفيلم التونسي الذي هزّ وجدان مهرجان القاهرة، في شهادة تختصر أثره العاطفي العميق.
وجاءت التتويجات لتؤكّد ذلك الصدى إذ خطفت الممثلة التونسية عفاف بن محمود الأضواء، متوّجة بجائزة أفضل ممثلة في الدورة السادسة والأربعين لمهرجان القاهرة السينمائي الدولي، عن أداءٍ نابضٍ بالحقيقة، ضمن قسم 'آفاق عربية'.

ولم يتوقف التألق عند عتبة القاهرة، فقد حصل العمل على جائزة كريستال سيمرغ لأفضل فيلم ضمن مسابقة 'الإطار المستقبلي' في الدورة الثالثة والأربعين لمهرجان فجر السينمائي الدولي بإيران، في لحظة اعتراف دولي بقيمة عمل يراهن على الإنسان قبل الصورة.
وبعد هذه المحطّات الدّولية عاد الفيلم إلى أرضه، ليعرض في إطار أيام قرطاج السينمائية، في عرض خاصّ ليقول إن السينما التونسية قادرة، حين تصدق، أن توجع العالم وتدهشه في الآن ذاته.
ويسافر 'الرّوندة 13' إلى فرنسا نهاية الأسبوع قبل أن يستقبل جمهوره بداية الأسبوع المقبل في كلّ قاعات السّينما التونسية لينقل رسالة دافع عنها محمد علي النّهدي: لم أقدّم قصّة عن الملاكمة، بل عن تلك اللحظة التي ندرك فيها أن أعظم المعارك تخاض داخلنا، وأن بعض الأبطال لا يقفون على منصات التتويج، بل على حافة الحياة.
الواثق بالله شاكير