languageFrançais

تقرير دولي: توترات الشرق الأوسط تهدد نمو اقتصاد إفريقيا

تواجه القارة الإفريقية موجة جديدة من التحديات الاقتصادية والجيوسياسية في ظل استمرار الصراع في منطقة الشرق الأوسط، ما يضع مسارات التعافي الهشة التي لم تلتئم بعد من تداعيات جائحة كورونا أمام مخاطر متزايدة قد تعرقل النمو خلال العام الجاري.

وحسب تقرير مشترك صادر في 2 أفريل 2026 عن بنك التنمية الإفريقي والاتحاد الإفريقي وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي ولجنة الأمم المتحدة الاقتصادية لأفريقيا، فإن استمرار الصراع لأكثر من ستة أشهر قد يؤدي إلى خفض نمو الناتج المحلي الإجمالي للقارة بنحو 0.2 نقطة مئوية خلال عام 2026.

تراجع قيمة عملات دول إفريقية

ويبرز التقرير أن الصدمة الاقتصادية تتجلى أساساً في الارتفاع الحاد لأسعار النفط، التي قفزت بنسبة 50% حتى نهاية مارس الماضي، الأمر الذي أدى إلى موجة تضخمية واسعة، ترافقت مع تراجع قيمة عملات عدة دول إفريقية. 

هذا التراجع يفاقم بدوره أعباء خدمة الديون الخارجية ويؤدي إلى استنزاف احتياطيات النقد الأجنبي، ما يضع العديد من الاقتصادات في وضع مالي هش.

ولا تقتصر تداعيات الأزمة على قطاع الطاقة، بل تمتد إلى تهديد مباشر للأمن الغذائي عبر ما وصفه التقرير بـ"قناة الأسمدة"، التي قد تكون في بعض الدول أكثر تأثيراً من صدمة النفط نفسها. 

ويعود ذلك إلى تعطل إمدادات الغاز الطبيعي المسال من منطقة الخليج، ما أدى إلى ارتفاع تكاليف إنتاج الأسمدة الأساسية مثل الأمونيا واليوريا.

ويأتي هذا التعطل في توقيت حرج يتزامن مع الموسم الزراعي الممتد بين شهري مارس وماي، ما يفرض ضغوطاً إضافية على أسعار الغذاء ويزيد من هشاشة الفئات الاجتماعية الضعيفة، خاصة في ظل اعتماد القارة بشكل ملحوظ على واردات الشرق الأوسط التي تمثل نحو 15.8% من إجمالي وارداتها.

ومع تصاعد الضغوط الاقتصادية وتحولها إلى أزمة معيشية تشمل ارتفاع أسعار الوقود والغذاء وتدهور أسعار الصرف، تبرز عدة دول كأكثر عرضة للمخاطر، من بينها السنغال والسودان والرأس الأخضر وجنوب السودان وغامبيا، نظراً لضعف احتياطياتها وارتفاع فاتورة وارداتها.

مكاسب محدودة وسط مشهد قاتم

ورغم هذه الصورة القاتمة، يشير التقرير إلى وجود تباين في تأثيرات الأزمة، حيث تحقق بعض الدول مكاسب مؤقتة نتيجة إعادة تشكيل مسارات التجارة والخدمات اللوجستية. 

ففي نيجيريا، على سبيل المثال، ساهم ارتفاع أسعار النفط في تعزيز الإيرادات، مدعوماً بتوسع مصفاة دانغوتي، بينما شهدت موانئ ديربان في جنوب أفريقيا ووالفيس باي في ناميبيا وموريشيوس نشاطاً متزايداً نتيجة تحويل مسارات الشحن البحري عبر رأس الرجاء الصالح.

كما تبرز كينيا كمركز لوجستي صاعد من خلال ميناء لامو، في حين تعزز إثيوبيا موقعها كمحور للنقل الجوي الطارئ يربط بين القارات الثلاث، غير أن هذه المكاسب تظل محدودة وغير متكافئة، ولا تكفي لتعويض الضغوط التضخمية والمالية الواسعة التي تواجهها معظم اقتصادات القارة.

تداعيات أمنية واستحقاقات سياسية

على الصعيد الأمني والسياسي، يحذر التقرير من أن اتساع رقعة الصراع قد يفتح الباب أمام تصاعد التنافس الدولي على النفوذ داخل أفريقيا، بما قد يفاقم النزاعات في مناطق هشة مثل السودان والصومال وليبيا، ويزيد من تعقيد جهود الإغاثة الإنسانية.

وفي ضوء هذه التحديات، يدعو التقرير إلى تبني استجابة أفريقية منسقة تبدأ بتفعيل آليات تمويل الطوارئ وتأمين سلاسل إمدادات الغذاء على المدى القصير، وصولاً إلى تعزيز السيادة الاقتصادية على المدى البعيد، عبر تسريع تنفيذ منطقة التجارة الحرة القارية وبناء شبكات أمان مالية مستقلة تقلل من التعرض للصدمات الجيوسياسية الخارجية.

صلاح الدين كريمي