languageFrançais

تونس وليبيا: إعادة المنفذ الجمركي المشترك مهم لكنه يحتاج المناطق الحرة

انطلقت السلطات التونسية والليبية في تجسيد الاتفاق التجاري الثنائي للتبادل الحر بين البلدين، والممضى مؤخراً من قِبل اللجنة الجمركية المشتركة التونسية الليبية أواخر ماي 2026.

ويتعلق هذا الاتفاق بتفعيل شهادات المنشأ التفاضلية وآليات المراقبة اللاحقة لها، وخاصة اعتماد شهادات المنشأ الإلكترونية، وإعادة تفعيل المنفذ الجمركي المشترك.

ويأتي هذا تجسيداً لما تم الاتفاق حوله في أفريل 2025 بشأن إرساء آليات للتواصل وتعيين نقاط اتصال في الديوانة التونسية ونظيرتها الليبية لتبادل المعلومات حول مكافحة التهريب، والغش التجاري، والجرائم الديوانية كافة. إلى جانب ذلك، يشمل الاتفاق دعم التنسيق الأمني وتبادل المعلومات والخبرات بين الجانبين، وتفعيل اتفاقية التوأمة في مجال التكوين والتدريب الجمركي عبر تحديد تاريخ عقد أول جلسة للجنة التوأمة وتوسيع مجالات التعاون في برامج التأهيل. كما يهدف إلى مواصلة التنسيق لتسهيل حركة الشاحنات والبضائع، بما يعزز التكامل الاقتصادي ويرفع من كفاءة العمل المشترك، بالإضافة إلى تدارس العديد من النقاط التقنية المتعلقة بتجارة العبور.

تفعيل اتفاقية التوأمة للتكوين والتدريب بين الجانبين

يذكر أنه تم توقيع اتفاق ديواني تونسي ليبي خلال شهر افريل 2025 ينص على تدعيم القدرات عبر التدريب من خلال اتفاق بين المدرسة الوطنية للديوانة ومعهد التدريب والدراسات الجمركية الليبية، وتم خلاله الاتفاق على اعتماد وثيقة ''سلم استلم'' في كل عمليات التصدير وتقديم القيمة الحقيقية للبضائع الموردة في الاتجاهين عبر التراسل بين الديوانة التونسية والليبية ومراجعة قائمة البضائع ذات المنشأ الأجنبية والتي كانت مستثناة من العبور برا وتهم بضائع  الكترونية وغذائية وملابس والاتفاق على حذف بعضها .

كما تمّ الاتفاق خلال الاجتماع ذاته، بإشراف المدير العام للديوانة، محمد الهادي سافر، ومدير عام مصلحة الجمارك الليبية، اللواء موسى علي محمد، وبحضور نائب سفير ليبيا بتونس، على مواصلة العمل بآلية الاجتماعات الدورية بين مسؤولي الجمارك بالبلدين في إطار مكافحة التهريب والجريمة المنظمة.

متابعة توصيات لجنتي مكافحة الغش التجاري والتهريب التونسية الليبية

كما اطّلع الطرفان على مدى تنفيذ توصيات اجتماع اللجنة الجمركية المشتركة التونسية الليبية المنعقد بمدينة طرابلس خلال شهر أفريل 2025 من خلال عرض مخرجات أعمال لجنتي مكافحة الغش التجاري ومكافحة التهريب المنعقدتين بجربة خلال شهر أفريل 2026 ورفع حزمة من التوصيات التنفيذية التي تم التباحث حولها والمتعلقة بسبل تطوير التنسيق الأمني والجمركي، وتوحيد الجهود لملاحقة شبكات التهريب وتجفيف منابع تمويلها، بما يسهم في حماية الاقتصاد وتعزيز أمن الحدود.

وسجلت المبادلات التجارية بين تونس وليبيا خلال سنة 2025 نموًا بنسبة 11% مقارنة بسنة 2024، لتبلغ قيمتها 2892 مليون دينار، منها 2469 مليون دينار صادرات تونسية نحو السوق الليبية، وفقًا لبيانات مركز النهوض بالصادرات.

وفي سياق تعزيز هذا التعاون، شهدت الفترة الأخيرة مشاركة تونس في الدورة 52 لـ 'معرض طرابلس الدولي' خلال شهر أفريل 2026. كما تم توقيع مذكرة تفاهم بين غرفة التجارة والصناعة بالشمال الشرقي التونسي وغرفة التجارة والصناعة والزراعة بزليتن الليبية. وفي إطار متصل، وقعت غرفة التجارة والصناعة ببنزرت مذكرة توأمة مع غرفة التجارة والصناعة والزراعة 'هلال العاصمة'، استكمالًا لمذكرة التفاهم الموقعة بينهما سنة 2022 بهدف تنشيط مناخ الأعمال بين منطقة الشمال الشرقي التونسي وبلدية جنزور.

ووفقًا لما أوردته 'دار المصدر'، ستساهم هذه الاتفاقيات في تطوير آليات العمل المشترك، وتبادل الخبرات لفائدة الفاعلين الاقتصاديين في البلدين."

تطور المبادلات بـ11% لايخفي أهمية تفعيل مناطق التجارة الحرة

وتعتبر هذه الاتفاقيات مهمة لدعم التعاون المشترك بين البلدين إلا أن تجسديها بنجاعة عملية يفرض أيضا تسهيلات جمركية ولوجستية وهو ما تعمل على تحقيقه "اللجنة الجمركية المشتركة" من خلال جهود تبسيط الإجراءات الإدارية واعتماد مرونة أكبر في إدارة المعابر الحدودية (مثل رأس جدير والذهيبة) لتقليص آجال الانتظار وخفض تكاليف النقل إلا أن المناطق التجارية الحرة ومشروع المنطقة التجارية الحرة ببنقردان يعتبران خطوة جوهرية لتنظيم المبادلات وتنشيط الاقتصاد الحدودي، حيث تستمر المشاورات لتذليل التحديات الأمنية واللوجستية لتنفيذ هذا المشروع.

وفي الوقت الذي تسعى فيه حكومتا البلدين لتطوير العلاقات والاندماج الاقتصادي الشامل، لا تزال الحاجة لمزيد من التنسيق لتخفيف القيود الإجرائية وتطوير البنية التحتية لتواكب الإمكانات الفعلية لأسواق البلدين.

ويُعد أي اتفاق مشترك تونسي ليبي حلاً جذرياً للاضطرابات وحالات الإغلاق التي شهدتها المبادلات التجارية بين البلدين لسنوات. وفي هذا السياق، قدّرت دراسة حديثة للمعهد العربي لرؤساء المؤسسات حول "تداعيات إغلاق معبر رأس جدير على الاقتصاد الوطني"، حجم الخسائر التي قد تنجم عن عدم استرجاع المعبر لنسقه الطبيعي واستمرار فترات الانتظار الطويلة، بنحو 300 مليون دينار بنهاية عام 2025 .

من جهة أخرى، بيّنت الدراسة أنه رغم مساهمة الإغلاق في الحد من التجارة الموازية بالجنوب التونسي والغرب الليبي، إلا أنه فتح المجال للتهريب والتجارة الموازية عبر الحدود الجزائرية. وينتج عن هذا الوضع خسارة إيرادات جمركية وضريبية ضخمة تُقدّر بقرابة 1200 مليون دينار كان يمكن للسلطات التونسية تحقيقها، وذلك استناداً إلى تقرير سابق للبنك الدولي الصادر عام 2014 حول ظاهرة التهريب.

إغلاق المعابر يكلف تونس خسارة إيرادات ب1200 مليون دينار

يذكر أن معبر “راس جدير”، الذي يعد أهم المعابر الحدودية بين تونس وليبيا ، شهد إغلاقا خلال الفترة الممتدة من مارس الى جويلية 2024، بفعل الوضع الأمني غير المستقر على الجانب الليبي، مما أفضى إلى اضطرابات اقتصادية واجتماعية لعشرات العائلات خاصة تلك التي تعتمد مداخيلها على التجارة عبر المعبر.

ووفق وثيقة المعهد فقد  قدرت الخسائر المسجلة على مستوى عائدات التصدير بنحو 180 مليون دينار في الفترة المذكورة مع توقعات ببلوغها 300 مليون دينار عند استمرار تعطل الحركة. هذا وقد أعلن وزير الداخلية خالد النوري ونظيره الليبي، مصطفى الطرابلسي، خلال غرة جويلية  2024، بمعبر “راس جدير”، عن إعادة فتح المعبر كليا بين تونس وليبيا في الاتجاهين أمام حركة المسافرين والبضائع “وفق ما يقتضيه القانون”.

ووفّر معبر ''راس جدير'' لوحده، عائدات تصديرية تقارب 479 مليون دينار خلال سنة 2022 وبلغت نحو 480 مليون دينار سنة 2023 أي قرابة 18 بالمائة من مجموع الصادرات، وفق بيانات وزارة التجارة وتنمية الصادرات، نقلا عن الوثيقة ذاتها.

تطور الصادرات نحو ليبيا

كما شهدت الصادرات التونسية نحو ليبيا تطورا ملحوظا، مسجلة ارتفاعا بنسبة 55 بالمائة ما بين 2017 و2023 محققة زيادة من 1195 مليون دينار إلى 2650 مليون دينار في حين تتطلع تونس إلى بلوغ 4860 مليون دينار بحلول سنة 2025.

وأشار المعهد إلى أن الإغلاق الذي استمر لمدة ثلاثة اشهر أثّر كثيرا على المؤسسات التي تعتمد على هذه السوق للتصدير وخاصة في قطاعات مثل مواد البناء وخاصة الاسمنت والمواد الفلاحية، والفواكه، مما يتطلب إيجاد حلول بالتنسيق مع السلطات الليبية لتسهيل عملية المرور وضمان انسيابية الحركية التجارية.

كما أدى إغلاق معبر رأس جدير إلى تعطل حركة السلع ببعديها الرسمي والموازي، مما أثّر سلباً على المستهلكين وأحدث فراغاً في السوق بسبب نقص العرض وارتفاع الطلب.

ووفقاً لتقرير البنك الدولي، يُقدّر حجم التجارة الموازية عبر المعبر نحو تونس بـ 600 مليون دينار سنوياً. وتُظهر المعطيات التي استند إليها المعهد العربي لرؤساء المؤسسات  هيمنة تجارة الوقود حيث يمثل 10% من قيمة المبيعات و30% من الأرباح.

علما أن أبرز البضائع المتبادلة تشمل الوقود والأدوات المنزلية والأجهزة الكهربائية والمعدات والملابس والفواكه.

واعتبر منجزو هذه الدراسة أن تعزيز التعاون بين تونس وليبيا “يعد أمرا حتميا لضمان استمرار حركة التجارة بشكل آمن ومستدام مع ضرورة تحسين البنية التحتية وإنشاء منصات الكترونية لتسريع الإجراءات وتقديم حوافز للمؤسسات الصغرى والمتوسطة الناشطة في الجنوب التونسي للاستثمار في المنطقة لتفادي آفة الاقتصاد الموازي”.

هناء السلطاني