languageFrançais

توجّهات ميزانية 2027: الدولة تُراهن على خفض العجز ودفع الاستثمار

ومواصلة الانتدابات مع تحسين الإنتاجية داخل المرفق العمومي..

في ظلّ مناخ اقتصادي ومالي يتّسم بتصاعد الضغوط الداخليّة والتقلبات الخارجية، جاءت توجّهات ميزانية الدولة لسنة 2027، الواردة بالمنشور عدد 2 لسنة 2026 الصادر عن رئاسة الحكومة نهاية الأسبوع الماضي، لتؤسّس لمرحلة  تراهن فيها الدولة على "التعويل على الذات" كخيار استراتيجي في إدارة التوازنات المالية والاقتصادية.

وفي محاولة للانتقال من معالجة الأزمات الظرفية إلى بناء مقاربة أكثر استدامة تقوم على تعبئة الموارد الوطنية، والحد من التبعية للتمويل الخارجي، ودفع الاستثمار والإنتاج كمدخل لمعالجة الاختلالات الكبرى التي تراكمت خلال السنوات الماضية.

ارتفاع كلفة التمويل وتزايّد الالتزامات الاجتماعية

ويأتي هذا التوجه في سياق دقيق، بالنظر إلى أن ميزانية 2026 عكست حجم التحديات التي تواجهها المالية العمومية، إذ بلغت النفقات الجملية حوالي 63.5 مليار دينار، مقابل موارد في حدود 52.5 مليار دينار، ما أفرز عجزًا ماليًا في حدود 11 مليار دينار، أي ما يعادل نحو 6.4 بالمائة من الناتج المحلي الإجمالي. 

ويعد هذا المستوى من العجز مؤشرا على استمرار الضغط على التوازنات الكبرى، خاصة في ظل ارتفاع كلفة التمويل وتزايد الالتزامات الاجتماعية، ما يجعل ميزانية 2027 مطالبة بإيجاد معادلة دقيقة بين التحكم في العجز والحفاظ على الدور الاجتماعي للدولة.

وتبرز الضغوط بشكل أوضح عند النظر إلى تركيبة النفقات العمومية، حيث تجاوزت كتلة الأجور 25 مليار دينار في ميزانية 2026، بما يمثل أحد أكبر بنود الإنفاق، في وقت تواصل فيه خدمة الدين استنزاف جزء متزايد من الموارد، لتصل الأجور وخدمة الدين إلى استحواذ يقارب ثلثي الميزانية، وهو ما يقلص من هامش المناورة المتاح لتوسيع الاستثمار العمومي أو إقرار نفقات تنموية إضافية. 

وفي هذا الإطار، تراهن الدولة في ميزانية 2027 على تحسين التحكم في النفقات القارة، مع الترفيع في نجاعة الإنفاق العمومي بدل التوسع الأفقي في المصاريف.
ولا ينفصل هذا التوجه عن معطيات الدين العمومي، الذي ظل يمثل أحد أبرز التحديات الهيكلية، خاصة مع ارتفاع كلفة خدمة الدين الخارجي والداخلي في ظل الظروف المالية العالمية. 

وتُظهر التقديرات أن جزءًا مهمًا من الموارد الذاتية أصبح يوجّه سنويًا لسداد أصل الدين وفوائده، وهو ما يفسر تركيز التوجهات الجديدة على تقليص اللجوء إلى الاقتراض الخارجي والبحث عن تمويلات بديلة قائمة على تعبئة الموارد الوطنية، سواء من خلال الإصلاح الجبائي، أو إدماج الاقتصاد الموازي، أو تحسين مردودية المؤسسات والمنشآت العمومية.

اعتمادات الاستثمار العمومي المبرمجة

وفي هذا الإطار، يمثل خيار "التعويل على الذات" رهانًا  يرتكز على أرقام ومعطيات فعلية، خاصة وأن الموارد الجبائية تمثل أكثر من 80% من موارد الدولة، بما يجعل تحسين استخلاص الضرائب ومقاومة التهرب الضريبي أحد المحاور الأساسية في تمويل ميزانية 2027.

كما تراهن الحكومة على توسيع قاعدة الإنتاج الوطني في قطاعات استراتيجية، مثل الفلاحة والصناعات الغذائية والطاقة والصناعات الصيدلية، بهدف تقليص الضغط على التوريد وتحسين الميزان التجاري، خاصة بعد أن سجل العجز التجاري مستويات مرتفعة تجاوزت 5 مليارات دينار في الثلاثي الأول من سنة 2026.

ويمثل ملف الاستثمار أحد أبرز الرهانات المطروحة ضمن هذه المقاربة، خاصة وأن اعتمادات الاستثمار العمومي المبرمجة في ميزانية 2026، والمقدرة بين 11 و12 مليار دينار، لم تحقق الأثر المنتظر بالنظر إلى تعطل عدد كبير من المشاريع العمومية، سواء بسبب الإشكالات العقارية أو التعقيدات الإدارية أو ضعف التنسيق بين مختلف المتدخلين. ولذلك، تتجه ميزانية 2027 إلى إعطاء الأولوية لاستكمال المشاريع المتواصلة وتسريع المشاريع المعطلة، مع التركيز على المشاريع ذات المردودية الاقتصادية والاجتماعية المرتفعة.

وتبرز في هذا السياق مشاريع البنية التحتية الصحية، ومشاريع تحلية المياه، ومشاريع النقل العمومي، ومشاريع الطاقات المتجددة، خاصة الطاقة الشمسية، التي تعول عليها الدولة لتقليص كلفة الطاقة المستوردة، والتي تستنزف سنويًا مليارات الدنانير من العملة الصعبة. 

كما يندرج دعم الانتقال الطاقي ضمن رؤية أوسع تستهدف تقليص التبعية الطاقية ورفع مساهمة الطاقات النظيفة في المزيج الطاقي الوطني، بما يخفف الضغط على الميزانية وعلى الميزان التجاري في آن واحد.

تحسين الإنتاجية داخل المرفق العمومي

وفي المقابل، يحتل البعد الاجتماعي موقعًا مركزيًا في توجهات الميزانية الجديدة، خاصة في ظل التحديات المرتبطة بالبطالة والقدرة الشرائية والضغوط الاجتماعية. وقد شهدت سنة 2026 برمجة نحو 51 ألف انتداب وتسوية، ما رفع عدد موظفي القطاع العمومي إلى حوالي 687 ألف موظف، في خطوة عكست استمرار الدولة في لعب دور اجتماعي مباشر. 

غير أن توجهات 2027 تبدو أكثر حرصًا على ربط الانتدابات بالحاجيات الفعلية للقطاعات الحيوية، خاصة الصحة والتعليم، مع التركيز على تحسين الإنتاجية داخل المرفق العمومي، بدل الاكتفاء بالتوسع العددي في التشغيل.

وفي موازاة ذلك، تطرح الدولة ملف إصلاح الصناديق الاجتماعية كأحد الملفات الحاسمة في أفق استدامة المالية العمومية، بالنظر إلى الاختلالات التي تواجهها أنظمة التقاعد والتغطية الاجتماعية، وما تفرضه من ضغوط متزايدة على الميزانية. 

كما تتجه التوجهات الجديدة إلى مواصلة دعم الفئات الهشة والطبقة الوسطى، لكن ضمن مقاربة أكثر استهدافًا ونجاعة، بما يسمح بتوجيه الدعم إلى مستحقيه والحد من كلفة الدعم غير الموجه.

تقليص البيروقراطية وتحسين مناخ الأعمال

أما على مستوى تسيير الإدارة، فتبرز الرقمنة كخيار مركزي ضمن ميزانية 2027، ليس فقط كأداة تحديث إداري، بل كآلية لتقليص الكلفة وتحسين الحوكمة ومكافحة الهدر. 
ويتزامن ذلك مع اعتماد سقف لا يتجاوز 3% لنمو نفقات التسيير مقارنة بسنة 2026، بما يعكس توجهًا واضحًا نحو ترشيد النفقات غير الضرورية، خاصة في ما يتعلق بالمهمات بالخارج ونفقات الاستقبال واستهلاك الطاقة داخل المؤسسات العمومية.

كما تراهن الدولة على الرقمنة لتقليص البيروقراطية وتحسين مناخ الأعمال، باعتبار أن تعقيد الإجراءات الإدارية ظل لعقود أحد أبرز معيقات الاستثمار، وهو ما يجعل إصلاح الإدارة جزءًا لا يتجزأ من الإصلاح الاقتصادي نفسه.

وتندرج في هذا الإطار أيضًا مساعي دعم الشركات الأهلية والاقتصاد الاجتماعي والتضامني، باعتبارها أدوات جديدة للإدماج الاقتصادي ودفع المبادرة المحلية، خاصة في الجهات الداخلية.

وفي المجمل، تعكس توجهات ميزانية 2027 محاولة واضحة لإعادة هندسة السياسة الاقتصادية للدولة ضمن هامش مالي ضيق، حيث تتقاطع رهانات تقليص العجز والدين، والتحكم في النفقات، مع الحفاظ على الدور الاجتماعي للدولة ودفع الاستثمار العمومي.

غير أن هذه الرؤية، رغم طموحها، تبقى مرتبطة بقدرة الدولة على تحويل الأرقام المرسومة في الميزانية إلى نتائج فعلية على الأرض، خاصة في ما يتعلق برفع نسق النمو، وتحسين مناخ الاستثمار، وتسريع إنجاز المشاريع، وتعزيز الثقة في الاقتصاد الوطني.

فالتحدي المطروح اليوم، كما تكشفه الأرقام، لم يعد فقط في كيفية إدارة الموارد المحدودة، بل في كيفية خلق موارد جديدة وتوسيع قاعدة الثروة الوطنية. 

وبين ضغوط العجز الذي يناهز 11 مليار دينار، وكتلة أجور تتجاوز 25 مليار دينار، واستثمارات عمومية تناهز 12 مليار دينار، وانتدابات فاقت 51 ألف موطن شغل، تبدو ميزانية 2027 أقرب إلى اختبار حقيقي لقدرة الدولة على الانتقال من إدارة الأزمة إلى بناء مسار اقتصادي أكثر توازنًا واستقلالية.

صلاح الدين كريمي